د. فاضل علي، باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
تصدر قريبًا عن منشورات نابو ببغداد نسخة جديدة من مشروع الباحث والمفكر عبدالجبار الرفاعي في فلسفة الدين، بعنوان “اللغة ولغة الدين”، وهو كتاب يواصل فيه الرفاعي انشغاله الممتد بسؤال اللغة بوصفها المدخل الأول لفهم النص الديني، وأداة الإنسان الوحيدة للتعبير عمّا يتجاوز إدراكه المباشر: الله، والغيب، والمقدس.
لا يقدّم الرفاعي في كتابه إجابات نهائية، بل يفتتح أفقًا للتفكير في لغة الدين، كاشفًا عمّا تختزنه هذه اللغة من طبقات المعنى، وما تتيحه من إمكانات التأويل والفهم المتجددة. وهو أسلوب مدرسي واضح يجيب فيه أولًا عن أسئلته الخاصة، كعادته في مجمل كتاباته، ثم عن أسئلة قرّاء نابهين ظلت تتوارد إليه حول طبيعة هذه اللغة وحدودها.
يخصص الرفاعي الفصول الأولى من الكتاب لعرض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي عُنيت بهذه القضايا، معيدًا التفكير في اللغة لا بوصفها وسيلة تواصل فحسب، بل بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. فحين يدخل المقدس فضاء اللغة، يدخل معه أفق الفهم البشري بكل تعدديته؛ فتتنوع قراءات النص الديني وتأويلاته بتنوع الثقافات والتجارب والأسئلة التي يحملها كل قارئ.
يستند هذا الاهتمام إلى تراكم معرفي طويل لدى الرفاعي، إذ خصص عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” لموضوع لغة الدين، كما أفرد له الجزء السادس من “موسوعة فلسفة الدين” الصادرة العام الماضي في ثمانية أجزاء. ويضاف إلى هذا التراكم عمق تكوينه اللغوي الذي بدأ في الحوزة العلمية، حيث درس النحو وعلوم العربية سنوات طويلة، متدرجًا من “الآجرومية” لابن آجروم إلى “قطر الندى وبلّ الصدى” لابن هشام، فـ”شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك” و”شرح ابن الناظم”، قبل أن يتولى تدريس هذه المتون نفسها لسنوات. وقد التقى هذا التكوين التقليدي مبكرًا باهتمامه بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات، وهو التقاء يفسر خصوصية منهجه الذي يجمع بين رصانة الدرس النحوي القديم وانفتاح المناهج اللغوية المعاصرة.
يكتسب هذا الإصدار أهميته من كونه يعالج سؤالًا جوهريًا لا يخص المتخصصين في الدراسات الدينية وحدهم، بل يمس كل من يتعامل مع النص الديني قارئًا أو مؤولًا: كيف تعبّر لغة بشرية محدودة عن حقيقة متعالية؟ وما حدود هذا التعبير؟ سؤال يظل، كما يرى الرفاعي، حاضرًا وملحًّا ما دام المعنى الديني لا يصل إلى الإنسان إلا عبر اللغة.