تزرين يعقوب سولا
من ܙܡܪܐ إلى اللحن المشرقي… ذاكرة موسيقية تتجاوز حدود اللغة
الموسيقى السريانية ܡܘܣܝܩܝ ܣܘܪܝܝܬܐ ليست مجرد ألحان وُلدت داخل الكنائس، بل هي جزء من ذاكرة موسيقية عريقة تعود جذورها إلى تقاليد قديمة في بلاد الرافدين وبلاد الشام، ثم تطورت بصورة خاصة داخل البيئة المسيحية في القرون الأولى للميلاد. وقد أدت الترانيم والصلوات الكنسية دورًا أساسيًا في حفظ هذه الذاكرة ونقلها من جيل إلى آخر.
وكان ܙܡܪܐ (زَمرا)، أي الترنيم والغناء، أحد أهم أشكال التعبير الموسيقي في الثقافة السريانية، إلى جانب ܩܠܐ (قالا)، الذي يرتبط بمعنى الصوت واللحن، ومن خلال هذا التقليد الشفهي والكنسي، ظلت ألحان كثيرة حية عبر القرون، حتى في الفترات التي لم تكن فيها وسائل تدوين الموسيقى بالشكل المعروف اليوم متاحة على نطاق واسع.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بتاريخ الأدب والترنيم السرياني برديصان الرهاوي (154–222م)، الذي ارتبط بالبيئة الفكرية والأدبية السريانية في الرها، ثم جاء مار أفرام السرياني (306–373م)، الذي أسهم بصورة كبيرة في تطوير الشعر والترنيم السرياني، ووظّف الشعر الديني والإنشاد في خدمة التعليم الروحي. وقد أصبحت أعماله جزءًا مهمًا من التراث الشعري واللحني السرياني.
وارتبطت الترانيم السريانية كذلك بالمزامير والتسابيح .
ومع اتساع التفاعل بين السريان والعرب في العراق وبلاد الشام، لم تبقَ الموسيقى حبيسة الجدران الكنسية، بل دخلت في فضاء ثقافي واجتماعي أوسع وكانت الموسيقى واحدة من أكثر الوسائل قدرة على الانتقال بين المجتمعات.
وتشير بعض الدراسات والكتابات المتخصصة إلى وجود تأثيرات سريانية في بعض جوانب الموسيقى العربية، إلى جانب تأثيرات عراقية وشامية وفارسية وغيرها، أسهمت مجتمعة في تشكيل التراث الموسيقي العربية.
أن فهم المشرق بوصفه فضاءً تاريخيًا، يظهر في التداخل بصورة خاصة في الموسيقى المشرقية، حيث تتقاطع بعض الأوزان والإيقاعات والألحان الشعبية مع أنماط قديمة تنسبها بعض الدراسات إلى التراث السرياني. ومن الأشكال التي تُطرح في هذا السياق القدود الحلبية، والزجل، والدلعونا، والميجانا، والمعنّى،
ولا يقتصر البحث في هذا المجال على الألحان والإيقاعات، بل يمتد كذلك إلى المصطلحات الموسيقية، إذ يذهب بعض الباحثين إلى وجود صلات بين عدد من المفردات الموسيقية المتداولة في العربية ومفردات آرامية أو سريانية.ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في الموسيقى السريانية نظامها اللحني القائم على ثمانية أنماط أو مقامات كنسية، وهو نظام ارتبط تقليديًا بالترتيل السرياني وبمجموعات الألحان المحفوظة في ܒܝܬ ܓܙܐ (بيت گازو / Beth Gazo)، أي «خزانة أو كنز الألحان». وتذكر مصادر التراث الموسيقي السرياني أن النظام يقوم على دورة من ثمانية أنماط، يرتبط كل منها بمجموعة من الألحان، مع وجود تنويعات لحنية داخل بعض الأنماط.
ولذلك قد يكون التشابه نتيجة تفاعل طويل وتبادل موسيقي مشترك،
مما يجعل دراسة العلاقة بين الموسيقى السريانية والموسيقى العربية مجالًا مهمًا في علم الموسيقى المقارن. فالمسألة لا تتعلق بإثبات «ملكية» لحن أو مقام، وإنما بمحاولة اكتشاف الطرق التي انتقلت بها الذاكرة اللحنية في المشرق،
ومن هنا تبرز أهمية إعادة دراسة التراث السرياني موسيقيًا، لا من منظور قومي ضيق، وإنما بوصفه جزءًا من الذاكرة الثقافية للمشرق. فـ ܙܡܪܐ، بما يحمله من معنى الترنيم والغناء، وܩܠܐ بما يرتبط به من صوت ولحن، يختصران جانبًا من رحلة الموسيقى بين الكنيسة والمجتمع، وبين السريان والعرب وسائر الجماعات التي عاشت في هذا الفضاء الحضاري.
إن الألحان التي انتقلت بين الكنيسة والمجتمع، وبين السريان والعرب وغيرهم، تكشف أن الثقافة لا تعرف الحدود التي ترسمها السياسة. فاللحن يستطيع أن يعبر من لغة إلى أخرى، ومن بيئة دينية إلى أخرى، ويبقى حيًا حتى بعد أن يُنسى أصله الأول أو يتغير اسمه.
وربما تكمن عظمة الموسيقى في أنها لا تطالب أحدًا بإثبات ملكيتها، فهي تحفظ ما قالته الأجيال السابقة، وتحمله إلى الأجيال اللاحقة، تاركةً للباحث مهمة اكتشاف الطريق الذي سلكه اللحن، والبيئات التي عبرها، واللغات التي احتضنته.
المراجع :
* «تأثير الموسيقى السريانية في الموسيقى العربية»، موقع IraqiArt، 19 تشرين الأول/أكتوبر 2009.
* حسان عباس، «الموسيقى الدينية – الموسيقى في سوريا»، موقع Syrian Heritage، ويتناول جوانب من تاريخ الموسيقى السريانية وبرديصان ومار أفرام.
* علي جهاد الراسي، صنع الموسيقى في العالم العربي: ثقافة وفن الطرب، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023.
* علي سالم الشرمان، تأثير الموسيقى الغربية في الموسيقى والغناء العربي، دار النشر العربية للدراسات والتوثيق، 2008.
مصادر ودراسات متخصصة في الثقافة السريانية والتراث الموسيقي المشرقي.