الغزو السكاني والتغيرات الديموغرافية (شعب كوردستان العراق أنموذجا)

د. توفيق رفيق آلتونچي

الدّيموغرافيا بالإنجليزيّة (Demography) علم السكّان ودراسة أحوال والتركيب العام لشعوب العالم وتوزع السكان حسب اعمارهم، تعليمهم، جنسهم، مكان سكنهم وامور اخرى احصائية اضيف الى بعض تلك الاحصائيات الدين والطائفة والقومية كذلك.

البشر ومنذ الخليقة الأولى كانوا في ترحال وحركة مستمرة مع اختلاف الأهداف بين البحث عن مراعي للماشية إلى الحروب واحتلال وغزوا أراضي البلاد الأخرى على الأرجح أكثر ثروة وغناء. وجود الشعوب في أماكن من غير أوطانهم الأصلية جاء معه خلطا ثقافيا لغويا ومن ثم في العادات والتقاليد اي بالإرث الثقافي. هذا ما نراه اليوم في انتشار العنصر البشري الآسيوي في مختلف دول العالم وكذلك في انتقال الأفارقة من القارة الأفريقية كعقيد الى الأمريكيتين وجود العرب في الشمال الأفريقي وسواحل البحر الأحمر والخليج العربي.

الهجرات البشرية وكما اسلفت لها أسباب مختلفة وحتى نشوء الدولة الحديثة لم تكن هناك حواجز في التنقل بين الشعوب والجدير بالذكر في هذا الصدد ان فترات ودولا كثيرة تغيرت تركيبتها السكانية بواسطة الهجرات فمثلا الوجود الأوربي في دول امثال كندا، الولايات المتحدة، استراليا، نيوزلاندا ودول اخرىً لجديرة بالدراسة لان شعوبها الأصلية قد انقرضت او باتت مجرد أقليات ثقافية دون اي سلطة حتى على اوطانهم وأراضيهم التاريخية كما هم ما يسمونهم (الهنود الحمر) وشعوب أمريكا اللاتينية قاطبة.

الجدير بالذكر كذلك ان ما نراه من مفردات تنتشر بين اللغات ليس إلا انعكاس لتزاوج الثقافات ومنذ الأزل. فقد تجد كلمات عربية في معظم لغات العالم وهذا ليس غريب وكذا بالنسبة لتزاوج اللغات الأخرى على الأقل من قبل المفردات ولكن في علم اللغات هناك أمور قواعدية صارمة يقسم لغات العالم من حيث التركيب إلى عوائل لغوية من جذر مشترك ويتفرع عنه الأغصان في كل الاتجاهات. لكننا نجد ورغم مرور زمن طويل على تلك الهجرات بان الأفارقة بقوا محتفظين على هيئتهم وشكلهم وهذا ينطبق على الآسيويين كذلك. وهي سمة طبيعية في الانتماء القاري حتى لو عاش الفرد في امريكا مثلا. لان الطفرات الجينية مهما حصلت تبقى الغالبة عنصري الإفريقي والأسيوي. يجب عدم إهمال حقيقة ان الشعوب حين تستقر تنشأ المدن والمدنية. لذا لا نجد للشعوب المتنقلة كالغجر مدن او حتى دول بل هم في سفر وترحال ذائب ولا وطن لهم ويدينون بدين الدول التي يمرون منها.

التغير الثقافي

لكن التحولات الثقافية واللغوية ممكنة جدا وقد نجد لغات غريبة في المحيط الأوربي مثلا حيث تعتبر اللغة المجرية غريبة على اوربا ويعتقد انها لغةٍ قبائل الهون الأسيوية وكذا بالنسبةً للغة شعب إلباسك في اسبانيا وكذلك لغة فنلندا الغريبة عن محيطها من اللغات الإسكندنافية. اما هجر الناس للغاتهم الأصلية فنراه واضحا في شعوب القارة الأمريكية وقد يكون مفيدا الإشارة هنا ان معظم لغاتهم لم تكن لها اي وجود قبل قرون وكلهاً جاءت مع الغزو الأوربي وخاصة الإسباني والإنكليزي والفرنسي. لكن الشعوب الأصلية بقت محتفظة بتراثها وارثها الثقفي.

لا توجد اي وثيقة تاريخية مكتوبة باللغة العربية قبل الإسلام في معظم الدول التي تتحدث شعوبها اليوم بالعربية فمثلا لم يكن الشعب المصري يتحدث العربية عند وصول جحافل جيش القائد عمر بن عاص إلى مصر. والحال نفسه مع شعوب بلاد الرافدين والشام. كان الاستعمار الثقافي ابان فترة الحربين العالميين تأثيرا كبيرا لشعوب التي استعمرت لذا نرى شعوب في القارة الأفريقية مثلا هجرت ونست تماما لغاتها وتتحدث اليوم بالفرنسية. في حين تحولت لغات المستعمر إلى لغة ثانية أساسية في دول اخرىً كاللغة الإنجليزية في الهند.

التغير العقائدي والديني

اعتمدت الديانة المسيحية على التبشير لذا انتشرت بين شعوب العالم. نكاد لا نجد دولة وقوما في العالم اليوم لا توجد فيها ممن يؤمنون بالمسيحية كدين ومن جميع الطوائف. لكن انتشار الدين الإسلامي تم بالغزوات ولا يذكر التاريخ حملات المسلمين التبشيرية بل الحديث يدور حول الحملات العسكرية وتسمى تاريخيا بالفتوحات واستمرت خلال خلافة الخلفاء الراشدين، وقل في الخلافة الأموية ثم تصاعدت ن وتيرتها في العهدين العباسي والعثماني.

اما اليهودية فيعتقد بانها قد انتشرت سلما عن طريق الهجرات والاضطهاد الذي تعرض له الشعب اليهودي عبر التاريخ ابتدأ من السبي البابلي وصولا إلى مخيمات الاعتقال النازية. كما انتشرت الهندوسية والبوذية سلميا بين شعوب اسيا والعالم. الدين الإسلامي جمع بين تغير العقيدة واللغة لان جميع عبادات وشعائر المسلمين تكون بالعربية ناهيك ان القران الكريم نزل بالعربية وبالذكر المبين. اي إنك ستصلي بالعربية حتى لو كنت صينيا او إفريقيا او أوربيا.

تغير التركيب السكاني

استخدم تغير التركيب السكاني كأداة سياسية من قبل السلطة بعد ان كانت الهجرات الجماعية تحصل غالبا بأسباب اقتصادية وبحثا عن الماء والكلأ والمراعي للمواشي. او حتى هروبا من سلطان جائر او وباء وكارثة طبيعية. التغير السكاني عادة لم تحصل بالجيوش لذا لا نجد شعوب تنتمي للإمبراطوريات القديمة فرغم ان الدولة العثمانية كانت تمتد في ثلاث قارات إلا ان الأتراك أقلية حتى في وطنهم تركيا وكذا بالنسبة لجميع الإمبراطوريات فهي لم تكن تودي إلى تغير سكاني بل كانت تغيرا سلطويا اي يحكم البلاد عنً طريق من يوليه الخليفة او السلطان البلاد. لذا نرى مثلا دول في اوربا مسلمة ولكن شعوبها ليست من الأتراك في كوسوفو، ألبانيا وفي بوسنيا بل هم شعوب المنطقة الأصليين لكنهم دخلوا الإسلام.

هناك عدد من المحاولات للتغير السكاني بأمر من السلطة وحتى في الدولة العثمانية مع الأرمن والسريان واليونانيين والروم وسأذكر نموذجين من العراق وسوريا.

في العراق حاولت الحكومات المتعاقبة بعد إعلان المملكة العراقية اجراء تغيرات سكانية محدودة في لواء كركوك ونجحت في استقطاب العرب للمنطقة عن طريق العطاء او العمل في الوظائف الحكومية والمشاريع والوجود العربي السكاني قد يمتد إلى ثلاثة قرون فقط إلا ان الحوار الحضاري مع العرب أقدم بكثير خاصة في طول المنطقة الملامسة بمرتفعات حمرين ويختفي مع التقدم في مدن كوردستان شمالا وتختفي تماما في المناطق الجبلية.

نجحت الحكومة البعثية العبثية من تغير منهجي لسكان لواء كركوك من عدد نواحي اداريا غير حدود اللواء بتقسيم أراضيها بين ثلاث محافظات احدث محافظة باسم صلاح الدين وقسم ربطها بمدينة السليمانية والقسم الاخر ب ديالى. اي شتت تركيب السكاني للمدينة. وثانيا استقدم العشائر بإعطاء المكافأة السخية من أموال وسكن وعمل لهم. وثالثا عن طريق ما سمي لاحقا بحملات الأنفال والأرض المحروقة التي اتبعها عسكريا فأدى إلى قتل وتدمير قرى منطقة گرميان. اما سوريا العروبية فقد أعلن عن الحزام العربي كي يفصل الشعب الكوردي عن طريق هذا الحزام العربي الذي نرى انعكاساته حتى اليوم.

توزيع سكان العراق بحسب “الخريطة الإحصائية التي تبين توزيع الأعراق والأديان في العراق”، الملحق الخامس، التي قدمها المندوب السامي البريطاني خلال الدورة الحادية والعشرين للجنة الدائمة للانتدابات. لواء كركوك قضاء كركوك • الأكراد: 27,094 • التركمان: 25,458 • العرب: 19,185 • اليهود: 1,745 • المسيحيون: 1,196 • الهندوس: 127 • الأوروبيون: 75 المجموع: .74,880

المصدر؛ https://www.facebook.com/share/p/1C78pndu6f/?mibextid=wwXIfr

التغير المنهجي للسكان

نجحت الحكومة البعثية من اجراء تغير منهجي للتركيب السكاني للواء كركوك وهي اليوم اساس المادة 140 وما تبعها من قرارات في الدستور العراقي. “المادة 140 من الدستور العراقي هي المادة التي تتضمن خطوات تسوية الأوضاع في المناطق التي شهدت تغيرات ديمغرافية بين عامي 1968 و2003. وسيتم تحقيق هذه التسوية من خلال تطبيع الوضع أولا وإجراء التعداد السكاني. وأيضاً من خلال إجراء استفتاء لتحديد مصير المناطق المشمولة وتحديداً محافظة كركوك. وتم تشكيل لجنة دستورية خاصة لتنفيذ هذه المادة عام 2006. بالإضافة إلى ذلك، تركز عمل هذه اللجنة على إعادة وتعويض الأسر المتضررة نتيجة ترحيلهم من مناطق إقامتهم”.

وذلك لإعادة الحقوق الى أبناء اللواء ورفع الظلم عنهم. بعض ما قام به النظام البعثي في اللواء، المحافظة الذي غير اسمها الى التأميم:

1. اداريا تغير حدود اللواء اداريا بتقسيم أراضيها من قرى وارياف كوردية وتوركمانية وفصلها من اللواء والحاقها الى ثلاث محافظات. استحداث محافظة باسم صلاح الدين والحاق قضاء طوز وجميع القرى المنطقة بالمحافظة الجديدة. المناطق الاخرى من مدينة جمجمال الى حدود مدينة السليمانية استقطع والهق بمدينة السليمانية. والاقسام الاخرى من مدينة كلار الحقت الى محافظة ديالى. ايتم تشتيت ابناء اللواء في ثلاث محافظات. وبذلك نجحوا في تغير التركيب القومي والثقافي السكاني للمدينة. ولا تزال هذه الحالة الشاذة قائمة حتى بعد زوال النظام البعثي والمادة 140 من الدستور تحاول اعادة الامور الى طبيعتها بقدر المستطاع.

2. . استقدم العشائر العربية من الجنوب بإعطاء المكافأة السخية من أموال وسكن وعمل لهم.

3. التهجير القسري (الانفال)؛ وتم عن طريق ما سمي لاحقا بحملات الأنفال والأرض المحروقة التي اتبعها الجيش العراقي فأدى إلى قتل وتدمير قرى منطقة سهل گرميان.

4. سياسة العقارية؛ وذلك بمنع تسجيل العقارات بعد شرائها باسم ابناء القومية الكورية والتوركمانية وإبقاء التسجيل فقط لأبناء القومية العربية وهذا ادى الى تغير سكاني حيث تقدم العديدين بطلبات تغير القومية الى العربية لتسجيل عقاراتهم.

5. التعيينات في الوظائف الرسمية؛ حيث تم حصر ومراقبة التعيينات في الوظائف الحكومية بتعين العرب بالدرجة الاولى وفي كافة مرافق الدولة والجيش والشرطة ورجال الأمن والاستخبارات وعلى اسس وضوابط حزبية.

6. سياسة التهجير: نقل الكورد قسرا من اللواء بصورة منظمة خاصة الموظفين الحكوميين إلى مدن السليمانية واربيل او الأقضية والقرى التابعة لتلك المدن. واستخدام سياسة الأرض المحروقة في كرميان بهدم القرى ونقل الساكنين الى مناطق اخرى ودفنهم احياء في مقابر جماعية.

دور التغيرات الديمقراطية في الكيانات الحديثة:

الديمقراطية تعتمد على صوت الفرد في الانتخابات واي تغير في التركيب السكاني تعني تغيرا في السياسة والحكم وهذا ما نراه اليوم في الصراع بين القوى السياسية في مدينة كركوك العراقية حول من هم الأكثرية ومن له أحقية الحكم مع تدخل مباشر من الحكومة الاتحادية. الذي توصل السياسيون إلى حل رياضي حسابي بينهم اي تقسيم السلطة بالتساوي بين القوميات الثلاث العرب، الكورد والتوركمان مع إعطاء بعض المقاعد الكوتة للمسيحيين مثلا.

هذا الحل الحسابي لتقاسم السلطة أدى إلى التحالفات وأنهى دور السكان في العملية السياسية. وهي من الأخطاء القاتلة في الديمقراطيات الهشة لان اي تحالف بين قوتين سيؤدي حتما إلى الحصول على ٦٦٪ من الأصوات وبهذا يتم تحيد الطرف الثالث تماما. الديمقراطية تعتمد على الأغلبية اي ٥٠٪ زائد صوت ولهذا هناك عرف سياسي في جميع البرلمانات والمجالس والقيادات بوجود عدد فردي لعدد الأعضاء كي لا يحص حقن وإيقاف لعملهم حال حصول كل طرف على نصف الأصوات فيكون الصوت الباقي حجر القبان (ويُسمى أيضاً بيضة القبان) ليوازي الميزان لصالح أحد الأطراف.

إذن أعداد السكان يلعب دورا سياسيا اليوم. لكن الحالة أكثر تعقيدا في الدول الأوربية مما أدى إلى ظهور احزاب سياسية قومية ومتطرفة تنادي بإيقاف زحف المهاجرين على بلدانهم كي لا تتغير المعادلة السكانية في بلادهم من ناحية ومن ناحية اخرى يشيرون إلى التغيرات الثقافية الدينية التي يجلبها الهجرة لمجتمعات. خذ مثلا لمدن صغيرة تابعة لاوربا اليوم وتقع على الساحل الأفريقي فهي صغيرة جدا سكانيا واي تغير سكاني كبير سيغير ميزان القوة من جميع النواحي ويغير من كل شيء وذلك بتغير القوانين وإجراء الاستفتاء والانفصال ما عدا التغير الديني العقائدي للمجتمع ونموذج استفتاء سكان جبل طارق الذي يعتبر ناريخيا أراضي إسبانية فقد صوت السكان للبقاء تحت التاج البريطاني كمنطقة حكم ذاتي.

استخدم كلمة “غزو ” في اخرً موجة من المهاجرين.

هناك دول في اوربا اليوم لديها مشكلة في الولادات وحتى تعدى الوفيات وتاركي البلد لأسباب مختلفة لسنا في بصدده ومجموع هذا وذاك اكبر بكثير على الولادات. ارقام الولادات الحية في تناقص منذ سنوات ولأسباب كثيرة منها الاجتماعية والنفسية وتكوين العائلة عبا كبير في تلك المجتمعات. لان ظروف العمل والحرية الشخصية تؤديان بالشباب العزوف عن الزواج ناهيك عن الهجرة من الأرياف إلى المدن الكبيرة وتغير سلوك الحياة في ظروف الحياة في المدينة.

كل ذلك يودي إلى اجهاد غير طبيعي في نضال الشباب من اجل الحصول على التعليم الذي يقود إلى العمل وبناء الأسرة فتحت ظروف صعبة من مشاكل الحصول على العمل والسكن. وهذا يعني بأنهم سيضمحلون بعد سنوات وقد يتحول المهاجرون إلى قوة سياسية سلطوية وتتغير القوانين وحتى العقائد والأفكار. هذا ما سميته في بداية هذه المادة بالغزو السكاني الذي يهدد دول والمجتمعات الغربية في العصر الحديث. إلا ان لدولة الإمارات تجربة في هذا المضمار لأنهم أقلية في دولهم ولم يتحول المهاجرين على الأقل في الوقت الحاضر إلى قوة للتغير في المجتمع. التجربة الامارتية واعدة في هذا المجال حين يكون إعداد المواطنين من اصول مهاجرة عشرات أضعاف ابناء البلد.

رغم اننا نعيش في عصر العولمة وزوال الحدود بين الأمم في قرية كونية لهم نفس الامال ويتشاركون في نفس المستقبل الا ان السياسة لا تزال تفعل فعلتها في فصل شعوب العالم وتعزيز الحدود وحتى في الاتحاد الأوربي الذي الغى الحدود تحاول دولها بين الحين والاخر القيام بتعزيز الرقابة على حدودها والانعزال.

إشارات:

https://article.fekrah.net/2025/01/23/%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%AF%D8%A9-140-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A/

توزيع سكان العراق

جيش الوطن أم جيش السلطة الحاكمة ( النموذج العراقي)

العسكر لا يشيدون الكيانات والدول

الإقليم وتكوين الكيان السياسي الكوردستاني

الانتماء الثقافي للشعوب

الكيانات السياسية ودولة المواطنة

بين الاستحقاق الانتخابي والتوافق السياسي نموذج مدينة كركوك

كماشة السياسة و التوركمان في العراق

إقليم كوردستان واحة التعايش، حوار الأديان، تقبل الاخر المختلف و التسامح الديني

قد يعجبك ايضا