د. نزار الربيعي
بحث مفصل في مقالة مستشار رئيس الوزراء قاسم الأعرجي
تكتسب العبارة التي يؤكد فيها مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون الأمنية قاسم الأعرجي أن ما يُطمح إليه هو عراق يشعر فيه كل مواطن بأن صوته مسموع وحقوقه مصانة دلالة تتجاوز حدود الخطاب السياسي المباشر، لأنها تضع الإنسان في قلب مفهوم الدولة، وتنقل النقاش من سؤال السلطة إلى سؤال المواطنة، ومن أدوات الضبط والسيطرة إلى فلسفة الشرعية والثقة والانتماء. فالدولة الحديثة لا تُقاس بقوة مؤسساتها الأمنية وحدها، ولا بقدرتها على فرض القانون بمعناه الإجرائي فحسب، وإنما بمدى نجاحها في بناء علاقة متوازنة مع مواطنيها، يشعر الفرد في إطارها بأنه شريك في المجال العام، وأن صوته ليس مجرد رقم انتخابي عابر، وأن حقوقه ليست امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت، بل قاعدة دستورية وأخلاقية ثابتة لا تستقيم الدولة من دونها. ومن هنا فإن هذه الرؤية تفتح باباً واسعاً لقراءة مفهوم الأمن الوطني العراقي من زاوية أكثر عمقاً، إذ يصبح الأمن حالةً من الطمأنينة السياسية والاجتماعية والقانونية، وليس مجرد غياب للعنف أو قدرة على مواجهة التهديدات المسلحة.
إن العراق، بما يحمله من تنوع قومي وديني ومذهبي واجتماعي وثقافي، يحتاج إلى نموذج في إدارة الدولة يجعل هذا التنوع مصدراً للقوة لا مدخلاً للانقسام. وعندما يشعر المواطن بأن صوته مسموع، فإن المقصود لا يقتصر على حقه في التعبير، بل يمتد إلى قدرة مؤسسات الدولة على الإصغاء إليه والاستجابة لمطالبه المشروعة وفتح قنوات منتظمة للمشاركة في صنع السياسات العامة. الإصغاء هنا ليس فعلاً بروتوكولياً، وإنما أحد عناصر الحكم الرشيد؛ فالمؤسسة التي تسمع المجتمع تستطيع أن تتنبأ بأزماته قبل انفجارها، وأن تفهم أسباب التوتر قبل تحوله إلى صدام، وأن تحول الاحتجاج من مصدر تهديد إلى مصدر معلومات يساعد الدولة على تصحيح سياساتها. ولهذا فإن صوت المواطن يمثل في الدولة الديمقراطية جهاز إنذار مبكر، وكلما اتسعت المسافة بين المجتمع ومؤسسات الحكم ازدادت احتمالات سوء الفهم وفقدان الثقة وتراكم الشعور بالتهميش.
أما صيانة الحقوق فتمنح هذه الرؤية بعدها القانوني والدستوري. فالحقوق لا تكون مصانة بمجرد ورودها في النصوص، بل حين تتحول إلى ممارسة يومية يشعر بها المواطن عند تعامله مع الإدارة والقضاء والمؤسسة الأمنية والمدرسة والجامعة وسائر أجهزة الدولة. إن القيمة الحقيقية للدستور تظهر عندما يستطيع المواطن الضعيف قبل القوي أن يحتج به، وعندما يجد الفرد أن القانون يحميه بصرف النظر عن هويته أو انتمائه أو موقعه الاجتماعي. وبذلك تصبح سيادة القانون إحدى أهم أدوات إنتاج الأمن؛ لأن الإنسان الذي يثق بأن حقه يمكن أن يُستعاد من خلال المؤسسة القانونية لا يحتاج إلى البحث عن حماية خارج الدولة، ولا إلى الاستناد إلى روابط ما قبل الدولة لتعويض ضعف المؤسسة العامة. وكلما كانت الحقوق أكثر ضماناً، أصبحت الدولة أكثر حضوراً في وعي المواطن باعتبارها مرجعية مشتركة وليست طرفاً في الصراع الاجتماعي.
وتتضح أهمية هذا التصور بصورة أكبر إذا نظرنا إلى التجربة العراقية خلال العقود الماضية، حيث دفعت الحروب والعقوبات والإرهاب والاستقطابات السياسية والاجتماعية أثماناً باهظة من رصيد الثقة العامة. وقد أثبتت التجربة أن إعادة بناء المنشآت والمؤسسات المادية، على أهميتها، أسهل من إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة. فالثقة تراكم معنوي طويل الأمد، تتشكل من آلاف التفاصيل الصغيرة: عدالة الإجراء، سرعة إنجاز المعاملة، احترام كرامة الإنسان، نزاهة الموظف، تكافؤ الفرص، وضوح القرار، حق الاعتراض، ووجود جهة قادرة على محاسبة من يتجاوز القانون. لذلك فإن المشروع الوطني الذي يجعل المواطن محوراً له لا بد أن يتعامل مع الثقة باعتبارها مورداً ستراتيجياً من موارد الدولة، شأنها شأن الموارد الاقتصادية والعسكرية والبشرية.
ومن منظور الأمن الوطني، تحمل مقولة الأعرجي انتقالاً مهماً من مفهوم الأمن التقليدي إلى مفهوم الأمن الإنساني والمجتمعي. فالأمن التقليدي ينشغل بحماية الحدود والمؤسسات ومواجهة الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة، وهي وظائف لا غنى عنها، لكن الأمن الإنساني يضيف إليها حماية الفرد من الخوف والحرمان والإقصاء والتمييز. ولا يمكن الفصل بين المستويين؛ لأن المواطن الذي يشعر بالأمان القانوني والاجتماعي يصبح أكثر استعداداً للتعاون مع مؤسسات الدولة، وأكثر قدرة على مقاومة خطابات التطرف والكراهية والتضليل. في المقابل، فإن البيئات التي يسودها الإحباط والشعور بعدم العدالة تكون أكثر هشاشة أمام محاولات الاستقطاب. ومن هنا تصبح حماية الحقوق جزءاً من الوقاية الأمنية بعيدة المدى، وليست ملفاً منفصلاً عن الأمن.
إن سماع صوت المواطن يقتضي أيضاً تطوير مفهوم المشاركة السياسية بحيث لا ينحصر في الانتخابات الدورية. فالديمقراطية المعاصرة تقوم على المشاركة المستمرة: الاستشارات العامة، المجالس المحلية الفاعلة، النقابات والمنظمات المهنية، الجامعات، مراكز البحوث، منظمات المجتمع المدني، الإعلام المسؤول، والمنصات الرقمية التي تتيح للمواطن التعبير عن أولوياته وملاحظاته. وحين تستطيع الدولة تحويل هذه الأصوات المتعددة إلى معرفة قابلة للاستخدام في صناعة القرار، فإنها تنتقل من الإدارة المنغلقة إلى الإدارة التشاركية. ولا يعني ذلك أن تستجيب الحكومة لكل مطلب بصورة فورية، وإنما أن تكون قادرة على شرح قراراتها وأسبابها، وأن تمنح المجتمع فرصة حقيقية للتأثير، وأن تجعل الشفافية جزءاً من العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
وفي الحالة العراقية، تتضاعف قيمة المشاركة لأنها تساعد على تجاوز التصورات الضيقة للمواطنة. فالمواطن لا ينبغي أن يُختزل في طائفته أو قوميته أو منطقته أو عشيرته، مع احترام جميع هذه الانتماءات، وإنما يجب أن يُنظر إليه أولاً بوصفه حاملاً لحقوق وواجبات متساوية داخل الدولة. والمواطنة بهذا المعنى لا تلغي الهويات الفرعية، بل تمنحها فضاءً وطنياً آمناً تستطيع أن تتعايش فيه. وعندما يطمئن الفرد إلى أن اختلافه لا ينتقص من حقوقه، تتحول الهوية الوطنية من شعار إلى تجربة معيشة. ولذلك فإن العراق الذي يسمع أصوات مواطنيه هو عراق قادر على إدارة الاختلاف بالحوار والقانون، بدلاً من تركه يتراكم حتى يتحول إلى صراع.
كما أن صيانة الحقوق ترتبط بصورة وثيقة بمبدأ تكافؤ الفرص. فالشعور بالعدالة لا يتكون فقط أمام المحاكم، بل يبدأ من المدرسة والجامعة وفرصة العمل والخدمة العامة والتعيين والترقية والحصول على الخدمات. وإذا شعر الشباب بأن المستقبل متاح أمامهم على أساس الكفاءة والجهد، فإنهم يصبحون أكثر ارتباطاً بالدولة وأكثر إيماناً بإمكان الإصلاح من داخلها. أما حين تتراجع معايير العدالة وتغيب الفرص، فإن الإحباط لا يبقى مشكلة اقتصادية، بل يتحول إلى تحدٍّ اجتماعي وسياسي وأمني. ولهذا فإن حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية جزء من بناء الاستقرار، خصوصاً في مجتمع يشكل الشباب نسبة كبيرة من طاقته البشرية.
وتبرز في هذا السياق مسؤولية المؤسسات الأمنية بوصفها إحدى أكثر مؤسسات الدولة تماساً مع مفهوم الحقوق. فالأمن في الدولة الدستورية ليس نقيض الحرية، بل حارسها. وكلما التزمت المؤسسة الأمنية بالقانون واحترام الكرامة الإنسانية، ارتفعت شرعيتها الاجتماعية، وأصبح المواطن أكثر تعاوناً معها. وهذا التعاون ضروري في مواجهة الإرهاب والجريمة والمخدرات والتطرف والجريمة الإلكترونية وسائر التهديدات الحديثة؛ إذ لا تستطيع أي مؤسسة أمنية أن تعمل بكفاءة في بيئة تفصلها عن المجتمع فجوة من الشك. ومن هنا فإن بناء الأمن المستدام يحتاج إلى شراكة: الدولة توفر القانون والحماية، والمجتمع يوفر الثقة والمعلومة والمساندة، وفي الوسط تقف حقوق الإنسان كقاعدة تنظم العلاقة وتحول دون انحراف القوة عن وظيفتها.
ولا يمكن تحقيق عراق يشعر فيه كل مواطن بأن صوته مسموع من دون إدارة عامة قادرة على الاستجابة. فالمواطن يحكم على الدولة في كثير من الأحيان من خلال تجربته اليومية مع الدوائر والخدمات أكثر مما يحكم عليها من خلال الخطابات الكبرى. لذلك يصبح إصلاح الإدارة، وتبسيط الإجراءات، والرقمنة، ومكافحة الفساد، وقياس رضا المواطنين، واستحداث آليات واضحة للشكاوى والتظلمات، عناصر أساسية في بناء الدولة المستجيبة. إن حق المواطن في أن يُسمع يجب أن يجد ترجمة مؤسسية: نافذة يعرف من خلالها أين يقدم شكواه، ومدة زمنية معروفة للرد، وجهة تتحمل المسؤولية، وإمكانية للطعن عندما لا يكون القرار عادلاً. وبهذه التفاصيل يتحول الشعار السياسي إلى نظام عمل.
كما تتطلب هذه الرؤية إعادة الاعتبار إلى مفهوم الكرامة الإنسانية. فالكرامة أوسع من مجموعة حقوق قانونية منفردة؛ إنها الفكرة التي تمنع الدولة من التعامل مع الإنسان بوصفه مجرد موضوع للإدارة. حين يُحترم المواطن في مركز الشرطة والدائرة الحكومية والمحكمة والمستشفى والمدرسة، يشعر بأن الدولة تخصه وأنه جزء منها. وحين تُهان كرامته، فإن الأثر لا ينتهي بانتهاء الواقعة، بل يتحول إلى ذاكرة سلبية تجاه المؤسسة. ولذلك فإن بناء ثقافة مؤسساتية تحترم الإنسان يحتاج إلى التدريب والمساءلة والقدوة القيادية، وإلى تحويل احترام المواطن إلى معيار في تقييم أداء المؤسسات وليس مجرد قيمة أخلاقية اختيارية.
ويشكل الإعلام بدوره جسراً أساسياً بين الدولة والمجتمع. فإيصال صوت المواطن لا يعني فتح المجال للفوضى المعلوماتية أو الاتهامات غير المنضبطة، كما لا يعني تقييد النقد بحجة الحفاظ على الاستقرار. المطلوب هو بيئة إعلامية تحمي حرية التعبير وتدعم المهنية في الوقت نفسه، وتوفر المعلومات الرسمية في الوقت المناسب حتى لا تملأ الشائعات الفراغ. إن الدولة التي تشرح وتوضح وتعترف بالأخطاء عند وقوعها تكون أكثر قدرة على الحفاظ على الثقة من الدولة التي تكتفي بالصمت. كما أن الإعلام المسؤول يستطيع أن ينقل معاناة المناطق والفئات الأقل حضوراً في المجال العام، وبذلك يسهم في جعل الدولة ترى المجتمع بكامل تنوعه.
وفي عصر التحول الرقمي، أصبح سماع صوت المواطن أكثر سهولة من الناحية التقنية وأكثر تعقيداً من الناحية السياسية والأخلاقية. فوسائل التواصل تتيح ملايين الأصوات، لكنها قد تضخم أيضاً الاستقطاب والمعلومات المضللة. ولذلك تحتاج الدولة إلى آليات علمية لتحليل اتجاهات الرأي العام من دون انتهاك الخصوصية، وإلى منصات رسمية موثوقة للحوار، وإلى سياسات تحمي البيانات الشخصية. ولا يجوز أن يتحول التحول الرقمي إلى شكل جديد من المراقبة أو الإقصاء؛ بل ينبغي أن يكون وسيلة لتوسيع الوصول إلى الخدمات والمعلومات والمشاركة، خصوصاً للفئات التي يصعب عليها الوصول إلى مراكز القرار التقليدية.
ويكتسب مفهوم الحقوق المصانة بعداً خاصاً في ملف التنوع العراقي. فحماية حقوق المكونات ليست منّة سياسية، وإنما جزء من سلامة البناء الوطني. والدولة التي تضمن للمواطن حقه في اللغة والثقافة والعبادة والمشاركة السياسية والأمن والملكية والتعليم وفق الدستور والقانون، تعزز شعوره بأن الوطن يتسع له. ويجب أن تكون حماية التنوع مقرونة بالمساواة، بحيث لا تتحول الخصوصية إلى عزل، ولا تتحول الأغلبية إلى هيمنة، ولا تتحول المحاصصة إلى بديل دائم عن المواطنة. إن إدارة التنوع الناجحة تبحث عن معادلة تجمع الاعتراف بالخصوصيات مع بناء فضاء عام مشترك.
وتتصل هذه الفكرة بالمصالحة المجتمعية والسلم الأهلي. فالمجتمعات التي مرت بصراعات تحتاج إلى أكثر من توقف العنف؛ تحتاج إلى معالجة آثار الماضي وإعادة الاعتبار للضحايا ومنع تكرار الانتهاكات. إن سماع أصوات المتضررين جزء من العدالة، كما أن الاعتراف بمعاناتهم يساعد على ترميم الذاكرة الوطنية. ولا تعني المصالحة نسيان الماضي أو إسقاط المسؤولية، وإنما بناء شروط تمنع تحويل الذاكرة إلى وقود لصراعات جديدة. وفي هذا الإطار يمكن للدولة والعشائر والمرجعيات الدينية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني أن تؤدي أدواراً متكاملة في نشر ثقافة الحوار والتسامح واحترام القانون.
ومن الناحية الستراتيجية، فإن عراقاً يثق فيه المواطن بحقوقه هو عراق أكثر مناعة أمام التدخلات الخارجية. فالتدخل يجد غالباً مداخله في الانقسامات الداخلية والشعور بالتهميش وضعف الثقة بالمؤسسات. وكلما كانت الدولة قادرة على احتواء مواطنيها سياسياً واجتماعياً، تراجعت قدرة الأطراف الخارجية على توظيف التناقضات المحلية. ومن هنا لا تكون الوحدة الوطنية خطاباً عاطفياً، بل منظومة مصالح وحقوق وعدالة تجعل المواطن يرى أن استقرار دولته جزء من استقراره الشخصي. فالولاء الوطني المستدام لا يُفرض بالقوة، وإنما يُبنى من خلال تجربة يومية تؤكد للفرد أن الدولة تحميه وتحترمه وتتيح له المشاركة.
إن هذه الرؤية تفرض أيضاً مسؤولية على المواطن نفسه؛ فالمواطنة ليست حقوقاً بلا واجبات. ومن حق المواطن أن يُسمع، لكن عليه أن يحترم حق الآخرين في أن تُسمع أصواتهم أيضاً، وأن يمارس النقد من دون التحريض على العنف والكراهية، وأن يحافظ على المال العام، ويلتزم بالقانون، ويسهم في حماية السلم الاجتماعي. العلاقة الصحية بين الدولة والمواطن علاقة تبادلية: الدولة مسؤولة عن صيانة الحقوق، والمواطن مسؤول عن حماية المجال العام الذي تمارس فيه هذه الحقوق. وبذلك تتحول المواطنة إلى عقد أخلاقي وسياسي يقوم على المسؤولية المشتركة.
ولكي تتحول عبارة «صوت مسموع وحقوق مصانة» إلى مشروع دولة، فإنها تحتاج إلى مؤشرات قابلة للقياس. يمكن قياس مستوى الثقة بالمؤسسات، ونسب الاستجابة للشكاوى، ومدد إنجاز المعاملات، ومدى الوصول إلى العدالة، ومستويات المشاركة المحلية، ورضا المواطنين عن الخدمات، وحجم تمثيل الشباب والنساء والفئات المختلفة في دوائر صنع القرار. فالإدارة الحديثة لا تكتفي بإعلان المبادئ، بل تختبر قدرتها على تحويلها إلى نتائج. ووجود مؤشرات معلنة يتيح للمجتمع مراقبة التقدم، ويساعد الحكومة على اكتشاف مواطن الخلل وتوجيه الموارد نحوها.
وتبقى العدالة حجر الأساس في هذا البناء كله. فالناس قد تتحمل صعوبات اقتصادية أو أزمات مؤقتة إذا شعرت بأن الأعباء موزعة بصورة عادلة، لكنها تفقد الثقة عندما ترى أن القانون يطبق بصورة انتقائية أو أن بعض الفئات تتمتع بحصانة غير مكتوبة. لذلك فإن المساواة أمام القانون ليست مسألة قضائية فقط، بل هي رسالة سياسية عميقة تقول للمواطن إن الدولة لا تفرق بين أبنائها. وكل تقدم في استقلال القضاء ونزاهة المؤسسات الرقابية ومكافحة الفساد يعزز بصورة مباشرة الشعور بأن الحقوق مصانة وأن صوت الفرد قادر على الوصول إلى مؤسسة تنصفه.
ومن هنا يمكن فهم طرح قاسم الأعرجي بوصفه تصوراً للأمن يرتبط بشرعية الدولة أكثر من ارتباطه بأدواتها الصلبة. فالشرعية لا تُنتج مرة واحدة عبر الانتخابات ثم تبقى ثابتة، وإنما تتجدد يومياً من خلال الأداء والعدالة والاستجابة. وكل مواطن تُحل مشكلته وفق القانون هو نقطة قوة للدولة، وكل مظلمة تبقى بلا معالجة قد تتحول إلى فجوة في الثقة. بهذا المعنى تصبح السياسة الأمنية الناجحة سياسة لبناء الثقة بقدر ما هي سياسة لمواجهة المخاطر، ويصبح منع التهميش عملاً وقائياً لا يقل أهمية عن ملاحقة التهديدات بعد ظهورها.
إن العراق الذي نطمح إليه، وفق هذا المنظور، ليس دولة بلا خلافات، لأن الاختلاف طبيعي في كل مجتمع حي، وإنما دولة تمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف بصورة سلمية وعادلة. وليس عراقاً تتطابق فيه الآراء، بل عراقاً يستطيع فيه المختلفون التعبير عن مواقفهم وهم مطمئنون إلى أن اختلافهم لا يسلبهم حقوقهم. وليس عراقاً تغيب عنه الأزمات، بل دولة تملك من الثقة والمرونة ما يجعلها قادرة على تجاوز الأزمات من دون أن يتفكك عقدها الاجتماعي. وهذه هي القيمة الحقيقية لفكرة (الصوت المسموع): تحويل التعدد من صراع على الوجود إلى تنافس مشروع داخل إطار وطني واحد.
وإذا كان بناء الدولة العراقية الحديثة قد مر بمراحل شديدة التعقيد، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الاستثمار في الإنسان بقدر الاستثمار في البنية التحتية. فالمواطن الواعي، المتعلم، الآمن، الواثق من حقوقه، هو أهم رأسمال ستراتيجي للدولة. وحماية هذا الرأسمال تبدأ من التعليم الذي ينمي ثقافة المواطنة، ومن خطاب سياسي لا يستثمر في الانقسام، ومن مؤسسات تستجيب للناس، ومن قانون لا يخضع للمساومة، ومن اقتصاد يوفر فرصاً عادلة، ومن أمن يحمي الإنسان والدولة معاً. وحين تتكامل هذه العناصر يصبح الاستقرار نتيجة طبيعية لجودة الدولة، لا مجرد حالة تفرضها الإجراءات.
في المحصلة، تضع مقولة قاسم الأعرجي معياراً طموحاً للدولة العراقية: أن يشعر كل مواطن، لا بعض المواطنين، بأن صوته مسموع وحقوقه مصانة. وكلمة (كل) هنا هي جوهر الفكرة؛ لأنها تنقل الدولة من منطق الجماعات المتنافسة إلى منطق المواطنة الشاملة. إن تحقيق هذا الهدف ليس مسؤولية مؤسسة واحدة ولا حكومة واحدة، بل مسار وطني تراكمي تشترك فيه السلطات الدستورية والمؤسسات الأمنية والقضائية والإدارية والمجتمع المدني والجامعات والإعلام والمواطنون أنفسهم. وحين يصبح احترام الإنسان ممارسة مؤسسية، والإصغاء إلى المجتمع منهجاً في صنع القرار، والمساواة أمام القانون قاعدة لا استثناء فيها، يستطيع العراق أن ينتقل من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل، ومن البحث الدائم عن الاستقرار إلى إنتاج استقرار راسخ يستند إلى الثقة والعدالة والمشاركة. عندها فقط يصبح الوطن مساحة يشعر فيها المواطن بأنه ليس متلقياً للقرار، بل شريكاً في صياغة المصير، وأن الدولة ليست قوة تقف فوقه، بل مؤسسة وطنية تقف معه وتحمي حقه في أن يعيش حراً كريماً آمناً داخل عراق يتسع للجميع.