إعداد ـ التآخي
إن فكرة ملاحقة الرؤوس الكبيرة والقيادات العليا الفاسدة في الدول ليست مستحيلة نظريا، لكنها تعد المعيار الحقيقي لمدى سيادة القانون واستقلالية القضاء في أي نظام سياسي.
تاريخيا ومعاصرا، اصطدمت قوانين مكافحة الفساد في كثير من الدول بحصانات دستورية وسياسية تمنح للرؤساء ورؤساء الوزراء وزعماء الأحزاب حماية مؤقتة أو دائمة. ومع ذلك، شهد العالم حالات عديدة خرج فيها القادة من عباءة الحصانة إلى قفص الاتهام، عندما توفرت الإرادة السياسية أو الضغط الشعبي الجارف.
وفيما يلي قراءة عامة لهذه الإشكالية مدعومة بأمثلة دولية بارزة:
أولا: البنيان القانوني وثغرة “الحصانة”، تمنح الدساتير في العادة حصانات برلمانية أو تنفيذية لرئيس الدولة ورئيس الوزراء وأعضاء البرلمان لمنع استغلال القضاء لأغراض كيدية أو سياسية تعطل عمل مؤسسات الدولة. لكن هذه الحصانات صُممت لتكون “درعا لحماية الوظيفة”، لا “غطاء لارتكاب الجرائم والسرقات”.
المعضلة الكبرى تظهر عندما تتحول الأحزاب الحاكمة أو الطبقة السياسية النافذة إلى شبكات مصلحية تحصّن أفرادها بتشريعات تفصيلية، أو تفرغ الهيئات الرقابية والقضائية من محتواها، ليصبح القانون سيفا مسلطا على صغار الموظفين، بينما تظل “الحيتان الكبيرة” تسرح وتمرح من دون حساب.
ثانيا: أمثلة دولية وعالمية (عندما يسقط الكبار)، حين تنكسر منظومة الحصانة، تطال المساءلة أرفع المناصب القيادية في دول مختلفة، ومن أبرز تلك الشواهد، كوريا الجنوبية (سقوط الرؤساء): تُعد كوريا الجنوبية انموذجا صارخا في ملاحقة رؤساء الجمهورية السابقين بتهم الفساد والرشوة واستغلال النفوذ بغض النظر عن مناصبهم السابقة. فقد حُكم على الرئيس الأسبق لي ميونغ باك بالسجن 17 عاما بتهم الفساد والرشوة، وحُكم على الرئيسة السابقة بارك غن هي بالسجن الطويل في قضايا كسب غير مشروع.

فرنسا (محاكمة الرؤساء بتهم الفساد): في نظام ديمقراطي عريق، لم تمنع رئاسة الجمهورية القضاء من ملاحقة وإدانة رؤساء سابقين؛ حيث أدين الرئيس الأسبق جاك شيراك بتهم الفساد واستغلال النفوذ وإساءة ائتمان في مدة توليه رئاسة بلدية باريس قبل وصوله للرئاسة. كما حُكم على الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي بالسجن في قضايا فساد واستغلال نفوذ.
ماليزيا (فضيحة الصندوق السيادي)، أدانت المحاكم الماليزية رئيس الوزراء الأسبق، محمد نجيب، الذي شغل منصب رئيس وزراء ماليزيا في السادس من نيسان 2009 حتى مايس 2018. وحكمت عليه بالسجن الفعلي لسنوات طويلة بعد ثبوت تورطه في نهب مليارات الدولارات من صندوق التنمية السيادي (1MDB)، في قضية هزت أركان النظام السياسي في البلاد.
إسرائيل (رؤساء وزراء ووزراء في قفص الاتهام): خضع رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود أولمرت للمحاكمة وأُدين بتهم الرشوة والفساد ودخل السجن. كما يخضع رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو لمحاكمات مستمرة بتهم الرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة.
أمريكا اللاتينية (البرازيل والأرجنتين): شهدت البرازيل محاكمة رؤساء وزعماء بارزين (مثل لويس إيناسيو لولا دا سيلفا)، وفي الأرجنتين أُدينت نائبة الرئيس والرئيسة السابقة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بالاحتيال والفساد وحُكم عليها بالسجن ومنع من العمل السياسي.
ثالثا: شروط نجاح المساءلة (الدرس المستفاد)، تُظهر هذه الأمثلة أن وصول قوانين مكافحة الفساد إلى “اللصوص الكبار” لا يحدث صدفة، بل يتطلب شروطا أساسية تتمثل في استقلالية القضاء المطلقة بإبعاد الأجهزة القضائية والرقابية عن التعيينات الحزبية والمحاصصة السياسية، والضغط الشعبي المستمر ببقاء الشارع واقفا ويقظا ضد صفقات التسوية السياسية التي تبرم عادة خلف الكواليس لطي ملفات الفساد الكبرى.
وشفافية تدفق الأموال: بتفعيل قوانين “من أين لك هذا؟” وكشف الذمم المالية الحقيقية للمسؤولين قبل وبعد توليهم المناصب.
متى يطال القانون اللصوص الكبار؟
إن السؤال: “متى يطال القانون اللصوص الكبار؟” يظل التحدي الأكبر أمام الدول التي تسعى لبناء دولة مؤسسات حقيقية، فإما أن يسقط الفساد بقوة القانون، أو تسقط هيبة الدولة برمتها تحت وطأة النهب الممنهج.
إن ضمان استقلال القضاء واختيار قضاة مهنيين بمعزل عن الضغوط الحزبية هو “حجر الأساس” لأي دولة قانون حقيقية. فلا قيمة لقوانين مكافحة الفساد ولا لجدوى النصوص الدستورية إن لم تكن بيد قاضٍ يملك الشجاعة والاستقلالية ليقول كلمة الحق، ويحصن نفسه ضد الترغيب أو الترهيب السياسي.
لا توجد “وصفة سحرية” خالية من الثغرات بنسبة مئة بالمئة، لكن هناك معايير وآليات مؤسسية عالمية ومجربة إذا ما اجتمعت، فإنها تشكل سدا منيعا بوجه الهيمنة الحزبية والمحاصصة.
أولا: الآليات المؤسسية لاختيار وترقية القضاة، المجلس الأعلى للقضاء المستقل (بعيدا عن السلطة التنفيذية): الشرط الأساسي يجب ألا يكون رئيس الجمهورية أو رئيس الوزراء أو وزير العدل طرفا مهيمنا في تشكيل أو إدارة “مجلس القضاء الأعلى” الذي يتولى تعيين القضاة ونقلهم ومحاسبتهم. ويُفضل أن يتكون المجلس بغالبيته العظمى من قضاة منتخبين من زملائهم في شتى الدرجات القضائية، مع تمثيل محدود جدا أو استشاري لكليات القانون أو نقابات المحامين المستقلة، لضمان النأي به عن التجاذبات الحزبية.

ويجب الالتزام بمعايير الكفاءة والشفافية المطلقة في التعيين باعتماد مسابقات واختبارات تحريرية وشفافة للالتحاق بالمعهد القضائي تعتمد على الكفاءة القانونية البحتة والنزاهة، بدلا من المقابلات الشخصية البحتة التي تفتح بابا واسعا للواسطة والولاءات الحزبية. و إخضاع المرشحين للتدقيق في الذمة المالية وتاريخهم السلوكي والمهني لضمان خلوهم من أي شبهات ارتباط حزبي سابق أو تضارب مصالح.
ويتوجب ان يتوفر الأمن الوظيفي المالي والمهني والحصانة الوظيفية فلا يجوز نقل القاضي أو عزله أو تأديبه إلا عبر آليات قضائية بحتة وبقرار من مجلس القضاء نفسه، لا بقرار سياسي أو إداري من السلطة التنفيذية. ويتوجب أيضا توافر الاستقلال المالي برصد ميزانية كافية ومستقلة للسلطة القضائية تضمن رواتب ومزايا عالية ومجزية للقضاة، تسد حاجتهم وتجعلهم في منأى عن أي إغراءات مالية أو ضغوط معيشية.
وتتواجد نماذج عالمية ملهمة في استقلال القضاء: إيطاليا (المجلس الأعلى للقضاء – CSM) ويُعد الدستور الإيطالي مثالا متقدما في استقلال القضاء؛ حيث يُدير شؤون القضاة مجلس أعلى ينتخب غالبيته العظمى القضاة أنفسهم بأنفسهم، مما جعل الجهاز القضائي قادرا على تفكيك شبكات فساد سياسية كبرى (مثل عملية “الايادي النظيفة” في التسعينات، من دون أن تتأثر بتغير الحكومات.
* المملكة المتحدة (لجنة التعيينات القضائية – JAE): جرى إنشاء لجنة مستقلة للتعيينات القضائية لفصل السلطة السياسية (وزير العدل) نهائيا عن اختيار القضاة، بحيث يتم ترشيح الأسماء حصرا بناء على الجدارة والكفاءة الاستثنائية بعيدا عن أي توصيات حزبية.
ولا تستطيع النصوص وحدها حماية القاضي إن لم يجد خلفه حاضنة مجتمعية وإعلامية حرة توفر له “الدرع المعنوي” عند تصديه للنافذين، فالإعلام الاستقصائي الحر يكشف الضغوط الخفية ويسلط الضوء على الأحكام النزيهة ويحمي القضاة الشجعان عبر الرأي العام.
ويجب توفر التفتيش القضائي النزيه بتواجد هيئة تفتيش داخلية قوية وشفافة تحاسب المقصرين والمرتشين من داخل السلك القضائي نفسه، كي لا تتحول الحصانة القضائية إلى مظلة للإفلات من العقاب الداخلي.
إن بناء قضاء مستقل ليس مستحيلا، لكنه يتطلب أولا قرارا سياسيا بالشجاعة على التنازل عن الهيمنة، وثانيا إرادة مؤسسية لترك الكفاءة وحدها هي المعيار الفيصل في إدارة العدالة.
الوضع العراقي.. أهمية المحاسبة والإنقاذ
فيما يغرق المواطن العراقي في بحر من الأزمات المتراكمة، بدءا من تهالك البنى التحتية ومرورا بتردي الخدمات الأساسية، وصولا إلى اتساع رقعة الفقر والبطالة، تطل علينا بين الحين والآخر مشاهد صادمة: أكوام من العملات الصعبة تستخرج من خلف جدران منازل مسؤولين ونواب، وكأنها خزائن شخصية لثروة وطنية مصادرة، وارتال من السيارات الحديثة الباهظة الثمن وقطعان كبيرة من الماشية وحيوانات المزرعة، وعقارات متكاثرة موزعة في داخل العراق وخارجه في وقت لا يجد الفقير مسكنا يأويه واسرته، وغير ذلك من أملاك المسؤولين المتناسلة. هذه المشاهد ليست مجرد حوادث عابرة، بل هي انعكاس صارخ لعملية “نهب ممنهج” تدور في الخفاء. ولكن، في الوقت الذي تسلط فيه الأضواء على هذه المبالغ المكتشفة، يظل التساؤل الملح الذي يؤرق الشارع العراقي قائما: هل ما عثر عليه هو سوى “غيض” من فيض مخبأ في أماكن أكثر تحصينا؟ والأهم من ذلك، متى ستتوقف “العدالة الانتقائية” عن ملاحقة الصغار، وتنتقل بجرأة لتمزيق حصانة “اللصوص الكبار” الذين لا يزالون يمارسون نفوذهم بعيدا عن أي مساءلة حقيقية؟
ويرى باحثون، ان الكتل السياسية المتنفذة في بغداد تجد في استمرار الأزمات والفوضى الاقتصادية والسياسية والخدمية بيئة مثالية لتثبيت سيطرتها. فكل أزمة تتفاقم، وكل خدمة تتأخر، وكل فساد يكشف، تصبح هذه القوى أكثر قدرة على الدفاع عن نفسها، وتسويغ وجودها، بل واستغلال الأوضاع لصالحها. ومن هنا يظهر سؤال جوهري: هل يهمها فعلا إصلاح العراق، أم أن بقاء المشكلات هو ما يخدم مصالحها على المدى الطويل؟
المواطن العراقي، في المدن والريف على حد سواء، يعيش حالة من العجز المستمر في توفير أبسط الحقوق: الماء، الكهرباء، الصحة، التعليم، والنقل. كل زيارة لمستشفى، وكل انقطاع للكهرباء، وكل مدرسة تفتقر إلى الكتب والمعلمين، لا يعكس فقط إخفاق الحكومة، بل يُظهر براعة القوى المتنفذة في تحويل الفشل إلى أداة سياسية. عندما يعاني المواطن، يصبح حديثه عن الأحزاب غير فاعل، ويبحث عمن يخفف عنه ألمه ولو مؤقتا، وهنا تأتي القوى المتنفذة لتملأ الفراغ، بتقديم خدمات جزئية أو رمزية، يجري تصويرها على أنها إنجازات، في حين أن المشاكل الكبرى ما زالت بلا حل.
هذا الوضع يعكس استراتيجية غير معلنة: إبقاء الدولة ضعيفة، والمؤسسات عاجزة، والمواطن في حالة انتظار دائم، لأن كل تقدم أو تحسن في الخدمات يقلل من الحاجة لهذه القوى. إنهم يعرفون أن الدولة القوية والمواطن الراضي عن الخدمات ليس فقط يفقدهم أدوات السيطرة، بل يخلق أرضية جديدة لمنافسين مدنيين مستقلين. لذلك، هناك ما يشبه «تحالفاً غير معلن» بين استمرار المعاناة وبين بقاء نفوذ هذه الكتل.
أما من الناحية الاقتصادية، فالمشهد لا يقل سوءا. العراق يمتلك ثروات هائلة من النفط والموارد الطبيعية، ولكنه يعيش أزمات مالية متكررة، تضخما غير محسوب، وبطالة متفشية. الاقتصاد، كما يظهر، ليس أولوية حقيقية لكثير من القوى السياسية. لماذا؟ لأن الاقتصاد السليم يعني توزيعا أفضل للثروة، وفرص عمل جديدة، واستقلالا أكبر للمواطن. وهذا كله يضعف سيطرة المتنفذين على المواطن. كل أزمة اقتصادية، من ارتفاع الأسعار إلى انهيار العملة، تصنع حالة من الاعتماد على الدولة المؤقتة، أو على تدخلات المحسوبية، وهنا يظهر الفساد كأداة لضبط الواقع السياسي والاقتصادي.
الفساد في العراق ليس مجرد تجاوزات مالية عابرة، بل هو صناعة متقنة. القوى السياسية الكبيرة قد لا تكون دائما الفاعل المباشر في كل عمليات الفساد، لكنها بالتأكيد مسؤولة عن الإطار الذي يسمح لها بالازدهار. هي التي تصنع القوانين والأنظمة الناقصة، وتترك الثغرات، وتغلق أعينها عن محاسبة المتنفذين الذين يخدمون مصالحها. وبهذه الطريقة، يصبح الفساد وسيلة لإبقاء المواطن في حالة ضعف مستمرة، ولتوفير روايات لا تنتهي عن «أعداء الدولة» و«أزمات لا حل لها»، ما يسمح للقوى المتنفذة بالبقاء على الساحة من دون منافس حقيقي.
وفي الجانب السياسي، نجد أن المناورة المستمرة بين الكتل تخلق أزمات مفتعلة: تأجيلات، خلافات، صراعات حزبية، كل ذلك يصرف الانتباه عن الحاجة الحقيقية للإصلاح. المواطن يستهلك في متابعة الصراعات الرمزية، بينما الجوهر، أي تحسين الخدمات، محوط ومهمل. وهنا تظهر اللعبة بوضوح: كل تقدم سياسي حقيقي يهدد بسطوة هذه القوى، وكل أزمة مستمرة تقويها. من ناحية أخرى، هذه الكتل تمتلك شبكات إعلامية وسياسية تستعملها لشرح الأزمة وكأنها خارجة عن إرادتهم، أو كأنهم الضحايا الذين يسعون لإصلاحها.
لكن الأهم من ذلك كله، هو أن استمرار الفساد والأزمات يجعل المواطن يعتاد على العجز ويقل تدريجيا انتظاره للتغيير الحقيقي. إنه نوع من التلاعب النفسي والسياسي: المواطن يتأقلم مع الوضع السيء ويصبح أقل مطالبة بالإصلاحات العميقة، وبالنتيجة يترك المجال للمتنفذين ليظلوا في مركز القرار. وبالمقابل، أي محاولة لإصلاح الأمور بسرعة، سواء في الخدمات أو الاقتصاد، ستكون تهديدا مباشرا لسيطرتهم، لأن المواطن حينها سيبدأ في المطالبة بحقوقه بشكل فعلي، وسينقشع «الستار السياسي» الذي يسمح للفساد بالازدهار.
كلما تحسنت الخدمات، وتعافى الاقتصاد، وجرى ضبط الفساد، كلما قل الحديث السياسي عن أزمات وهمية، وكلما انكشف الدور الحقيقي للكتل المتنفذة. لذلك، فإن المستقبل يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة لمواجهة مصالح القوى التي اعتادت على الفوضى المستمرة. إصلاح العراق ليس خيارا، بل ضرورة، ولكل من يهمه مستقبل البلد أن يعرف أن استقرار المواطن واستقلال الدولة هو الطريق الوحيد لإنهاء هيمنة الفساد والمصالح الشخصية على حياتنا اليومية.