د. توفيق رفيق آلتونچي
“الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها”
تاريخيا أتراك العراق وصلوا إلى العراق عن عدده طرق ومحاورمنهم كقبائل جاءوا من ايران من خراسان في العهد العباسي مع جحافل جيش القائد (ابو مسلم الخراساني ) واخرون بعد إعلان الدولة الصفوية ومن تركيا جاء السلاجقة الأتراك في العهد العباسي حيث تزوج الخليفة العباسي المعتصم بالله ثامن خلفاء العباسيون عام ٨٣٥ وأمه تركية من طاجيكستان وتزوج بتركية سلجوقية وبنى المدينة عام ١١٦٧ تقربا للسلاجقة المسلمين مدينة سر من رأى ( السامراء الحاليّة ) وطبعا هناك عائلات من بقايا المغول، التتار، قبائل الخروف الابيض والاسود والجلائريين كما ان هناك عائلات بقت في العراق بعد انهيار الدولة العثمانية من الجيوش والموظفين الذين لم يغادروا ولايات العراق. العديد من تلك العائلات تعربوا كذلك ونتعرف عليهم اليوم من القابهم اي ان تاريخ تواجدهم في المنطقة لا تتعدى الف عام في كافة الأحوال. ولا توجد في صفحات التاريخ اي نزاعات وحروب بين الكورد والتوركمان بل ان هناك حوار حضاري عميق سلمي من مصاهرة وعيش مشترك وآمال مشتركة.
التوركمان يكونون على الأقل ٢٠٪ من سكان جغرافية كوردستان العراق . المشكلة تحصل حين تتدخل إطراف في دول الجوار في القرار التوركماني وتصادر حق هذا الشعب في إبداء الرأي.
أولا:
تركيا مثلا تعتبرهم أداة بيدها وخاصة الجهات الاستخباراتية والأمنية والأحزاب القومية. بعد تأسيس جمهورية تركيا الحديثة لم تعي السلطة الجديدة التركيبة الطائفية لأتراك العراق من كونهم خليط طائفي من السنة و الشيعة وهم يمثلون نسبة متفاوتة يتوزعون متناثرين شمالا من مدينة تلعفر ومعظمهم من ألشيعه في المدينة على الحدود التركية العراقية إلى مندلي جنوبا. وأصوات هذه المجموعة في الانتخابات تذهب دوما إلى الأحزاب الشيعية لإيمانهم جميعا بولاية الفقيه.
ثانيا:
تركيبهم الطائفي هذا جعل ايران ان يتدخل كذلك من جهتها في توجيه سياستهم تجاه هذه الشريحة. وعلينا ان لا ننسى تأثير الأتراك من الآذريين في ايران القوي على المؤسسة الدينية والسياسية والاقتصادية. شيعة التوركمان ينتشرون كذلك في اجزاء من احياء مدينة كركوك وضواحيها وهم في بشير ، تازه، داقوق، طوز، امرلي، كفري، خانقين، شهربان، الخالص، مندلي وأماكن أخرى.
هناك مقولة مفادها بان الدولة العثمانية قد زرعتهم للحراسة في المنطقة ولكن هذا مبدأ الجاهلين بالتاريخ وذلك لعدم معرفتهم بالتركيبة الطائفية اعلاه لهذا الشعب .
حتى عند انتشار الشيعة الاثنا عشرية الصفوية التركية في ايران بعد إعلانها من قبل إسماعيل شاه الصفوي عام ١٥٠٩ انتشروا حتى إلى العراق لذا نرى تواجدهم اليوم من الشيعة على طول الحدود مع ايران .

ولنتساءل لم يترك العثمانيون السنة الشيعة من التوركمان لحماية ثغورهم؟
اتبع التوركمان في العراق دوما سياسة تماشي السياسة التركية تجاه الحكومات العراقية
وكان لهم حضور في جميع الحكومات العراقية بشكل او باخر.
السياسة التوركمانية التقليدية في معاداة الكورد بدأة مع عشية الاحتفالات بمرور عام على ثورة تموز ١٩٥٩ وما رافقها من ماسي واستمر في عهد الرئيسين الأخوين عارف لمحاباة الحكومة انذاك لهم حيث تم استقدامهم في الجيش ومؤسسات الدولة وإعطائهم مزايا تفضيلية علىً أساس معاداة الشيوعية و اللذين اتهموا مع الكورد في تلك المجازر. وبذلك أصبحت تلك الحوادث ” قميص عثمان ” لدن القوميين منهم ، رغم انهم عانوا الأمرين ابان الحكم البعثي لكنهم لم يعادوا أي حكومة عراقية. لم تتغير سياسة تركيا تجاههم رغم تغير الحكومات التركية المتلاحقة خلال الدورات الانتخابية منذ تاسيسها حيث حكومات اليسار الوسط في بداية السبعينات ( بلند اجويد) وثم حكومات اليمين المتعاقبة كلها كانت لها نفس التوجهات وقد يكون الملف خارج إرادتهم اي ذو مواصفات أمنية واستخباراتية. مع ارتباط مباشر بحزب الحركة القومية المتطرف. تجدر الإشارة هنا بان العرب من جهتهم لم يقدموا نموذجا مختلفا بل كانوا دوما على طرف النقيض مع الكورد وممثلين لسياسات الحكومة الرسمية وحتى تتماشى مع تلك السياسة بعد كل انقلاب.
هنا تجدر الإشارة كذلك الى ما قدمه المرحوم مام جلال من فلسفة للوئام الاجتماعي في المدينة وأصبحت امرأ واقعا اليوم وهي تتنافي الواقع الذي افرزه الانتخابات الديمقراطية أي مبدأ تقسيم السكان الى ثلاثة حصص ولكل قومية حصة والذي أدى الى ان يتحول الكورد الى اقلية في المدينة وكان من نتائجه لاحقا ما سمى اتفاقية فندق الرشيد وعودة الجيش وسيطرة الحكومة الاتحادية على مجمل مفاصل الحيوية والعسكرية في المدينة وخروج البيشمركة عام 2017 وما يجري اليوم على ارض الواقع في المدينة.
كان الإقليم وقادته في تطبيقهم الديمقراطي للحكم واحترام التعددية الفكرية والعقائدية حكيما في معالجة القوى السياسية منذ إعلان الجبهة التوركمانية ١٩٩٥ في أربيل وصولا إلى إعطائهم دورا في قيادة حكومة الإقليم. لا تزال هناك أمور بين الحكومة الاتحادية والإقليم فيما يخص الأراضي المتنازع عليها خارج الإقليم وتداعيات الفقرة الدستورية العراقية اي المادة ١٤٠ الدستورية وملحقاتها.تحتاج الى حلول توافقية وهذا ما جعل من مدينة كركوك ساحة صراع بين الكورد، العرب والتوركمان. هذا الصراع يحتدم بين فترة وأخرى وكان اخرها وليس أخيرها ما تم الاتفاق عليها بين بعض الأطراف في فندق الرشيد في بغداد بعد انسحاب البيشمركة من المدينة. هذا الوضع الجديد أدى إلى قصور واضح في تمثيل الكورد في ادارة المدينة وكان من نتائجها تدوير منصب محافظ المدينة والموظفين الحكوميين بين مكوناتها القومية الثلاث وإهمال المسيحيين. هذا الاتفاق رفض من قبل الحزب الديمقراطي الكوردستاني في حينه “صفقات فندق الرشيد”: ونعتها الحزب ب غياب الشراكة الحقيقية وتؤثر سلبا على استقرار مدينة كركوك . يعتمد الجبهة دوما في السياسة على التعاون مع الحكومة الاتحادية مستندا على تراث قديم يجري إحياءه رغم أن التوركمان لا يمثلون الا نسبة صغيرة من اجمالي سكان العراق الاتحادي.

هذه الإشارة الرمزية اعلاه والتي يقوم بها القوميون في تركيا ودخلت للعراق وانتشرت بين الشباب ولا تمثل تاريخ الشعب التوركماني ولا تعتبر كذلك رمزا لهم فهي إشارة عن أسطورة الذئب الرمادي ( بوز قورت) التي يرددها القوميون خاصة اعضاء حزب الحركة القومية والتي تشير الى حادثة قيادة هذا الذئب لأوائل قبائل الأتراك الذين جاءوا إلى الأناضول لاجئين من أواسط آسيا قبل دهر من الزمان ومن أطراف بحيرة توران وضاعوا بين الجبال زاگروس الوعرة وكادوا ان يموتوا جميعا من العطش لولا أنهم اتبعوا ذئبا رماديا سار بهم وقادهم إلى نبع الماء ، كما تقول الأسطورة. لا ريب ان مردد هذه الأسطورة كان الضابط الرائد القبرصي ( ألب أصلان توركش) القائد التاريخي للفكر القومي التركي، حزب الحركة القومية.
القوى القومية السلبية تكون دوما عدائية وأعضاء تلك الجماعات من الذين يستخدمون الشدة والعنف في علاقاتهم أينما تواجدوا ومن أي قومية كانوا ، هم أحفاد الفكر النازي الألماني والفاشي الإيطالي والقومي العربي والطوراني التركي وإلقاء نظرة على مكتسباتهما من حروب وقتل وإبادة جماعية للبشر لكافية كي تنير الدرب للسلام بين جميع الأمم.
السويد ٢٠٢٦
الصورة مهداة من الأخ الأستاذ فهمي الكاكائي.