الإقليم وتكوين الكيان السياسي الكوردستاني

د. توفيق رفيق آلتونچي

كوردستان بصورة عامة مصطلح جغرافي سياسي ورغمً دلالاتها كمسمى القومي (ارض الكورد ( إلا انها أراضي عاش ويعيش اليوم على ظهرانيها تاريخيا العديد من الشعوب والاقوام والعقائد. هذا ما نشاهده اليوم من الآثار التي اكتشفت في مدنها التاريخية. وها هنا أتحدث عن كامل كوردستان دون تحديد جغرافي حيث انتشار شعب ما على بقعة جغرافية لا تعطيها الحق الكامل كما يدعي القوميون الأتراك مثلا وحتى العرب بذلك أي فكرة:
“اين يوجد آخر تركي فإلى تلك الأصقاع تصل حدود البلاد”.
حركة السكان وهجراتهم تاريخيا لم تكن بأهداف قومية بل هناك عوامل اخرى كثيرة لست بصددها. من الطبيعي ان نجد آثارا لمدن وحضارات في منطقة خصبة ولد فيها العديد من الحضارات القديمة وحتى قبل ظهور الحضارة في وادي الرافدين و وادي النيل. للمزيد راجع الاكتشافات الأخيرة في (گوبگلى تبه) في تركيا الحالية.

كانت الجبال من ناحية اخرى الحصن الحصين للمسيحيين الأوائل وآثارهم لا تزال باقية لحد اليوم وقد دخلت شعوب المنطقة إلى الدين المسيحي مبكرا قياسا بالشعوب الأخرى كنتيجة لاتصالات بأهم حاضرة ومركز للديانة المسيحية واعني مدينة أنطاكية ورغم ان اوائل المسيحيين من الرهبان عاشوا في المناطق الجبلية الوعرة الصعبة الوصول اليها وبنوا معابدهم إلا ان احتكاكهم بشعوب المنطقة أخذ وقتا طويلا وهذا كان بسبب طبيعة هؤلاء الرهبان السلمية ويعتقد ان انتشار لغة الإنجيل والثقافة أخذ وقتا كذلك لان الشعائر الدينية تقام في المسيحية بلغة اهل البلاد كما هو معروف. هذا الاتصال الحضاري السلمي لم يتم دراستها بصورة علمية مستقلة لهذا هناك خلط بين الأسماء المستخدمة كدلالات لشعوب سميت على الأكثر بأسماء المدن او حتى بأسماء الملوك في المنطقة.

دور الأنظمة القومية؛
سيطرةً أنظمة ذو فكر قومي سلبي في المنطقة بدأ مع السنوات الأخيرة للحكم العثماني لان العثمانية كانت سلطة غير قومية ولم تنشر اللغة التركية بل بقت جميع الولايات محتفضه بلغاتها القومية والدليل حتىً تركيا نفسها اليوم فيها ملاين الكورد والعرب والروم والسريان واليونانيون وشعوب اخرى وفي حين تمكن العرب من التعاون المباشر مع البريطانيين ومساعدتهم انطلاقا من الحجاز تأسيس كيانات عربية في المنطقة. فيما ادى رفض الكورد هذا التعاون مع المستعمر مما ادى ذلك ان يتحول لاحد الأسباب الرئيسية التي دفعت بالبريطانيين إهمال المطالب الكوردية بالاستقلال ونفي رجال الثورة وهذا انعكس على معظم الاتفاقيات تقسيم الارث العثماني التي أبرمت بعد الحرب العالمية الاولى ومع انهيار الدولة العثمانية. رغم ان الكورد في القسم الواقع في تركيا اليوم ارسلوا وفودا وطالبوا بالاستقلال لكن موقف الكورد في مدينة السليمانية بالتحديد كانت ( القشة التي قصمت ظهر البعير) قضى على حلم الاستقلال وتأسيس الدولة الكوردية تماما . وبهذا الصدد أشير إلى سيرة الشيخ محمود الحفيد وثورته ضد القوات البريطانية وحتى مشاركته في ثورة العشرين النجفية وعلاقته السيئة بالبريطانيين ومحاربتهم التي كانت من نتائجها قصف مدينة السليمانية والقضاء عليه عسكريا وبذلك انهى على الحلم الكوردي. هنا اود الإشارة إلى ان هذا الاتجاه لا يزال قائما في المدينة وبمتابعة مجريات الأمور في الوقت الحاضر وقد تؤدي لاحقا إلى الانهيار جميع أحلام الاستقلال مرة اخرى بهذا الصدد راجع سيرة الانشقاق الذي بدأ به السيد إبراهيم احمد في الحزب الديمقراطي الكوردستاني وصولا الى انعكاساتها في الوقت الحاضر (راجع الإشارات). بغياب القاسم المشترك الأعلى للبيت الكوردستاني وعدم وجود خطوط متفق عليها ولا يجوز تجاوزها من قبل الجميع سيكون المستقبل ( على كف عفريت) كأمواج البحر بين الصعود والهبوط وبتأثير العامل الخارجي والداخلي.

الاتحاد الوطني الكوردستاني؛
كان الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ نشوئه عام 1946 إلى التسعينيات يدعوا إلى الحكم الذاتي للكورد والديمقراطية للعراق ولكنه ومنذ اواسط التسعينيات بدأ ينحو منحى اخر حيث بدأ بالمطالبة بدولة مستقلةلكورد العراق ولكنه رضي بالفيديرالية كحل مؤقت بناء على اقتراح أمريكي لحين تهيئة الأرضية المناسبة لإقامة الدولة الكردية المنشودة في حين انشق جماعة من الحزب ذو الأفكار اليسارية بقيادة المرحوم جلال الطالباني صهر إبراهيم احمد في أواخر الستينيات، الذي توجه إلى التعاون مع الحكومة العراقية عام ١٩٦٦ وبعد انهيار الحركة الكوردية اثر توقيع اتفاقية الجزائر اسس مع بعض رفاقه في دمشق عام ١٩٧٥ ما عرف لاحقا تحت تسمية الاتحاد الوطني الكوردستاني في تجمع كيانات سياسية ذو افكار يسارية قومية امثال ؛ المرحوم عادل مراد، فواد معصوم، داوود محمد علي، نوشيروان مصطفى، المرحوم علي العسكري، المرحوم عبد الرزاق فيلي و سعدي احمد پيره واخرون وحيث ساعد وجود عدد كبير من النخب اليسارية والعلمانية ومن المثقفين في قيادة الإتحاد توسيع قاعدته الجماهيرية في أوساط المتعلمين وأبناء المدن بينما حافظ الديمقراطي كالعادة على قاعدته الواسعة في أوساط الطبقات المحافظة في الريف والقصبات ومن المتدينين. كما حاول الاتحاد التعاون عسكريا مع ايران ابان الحرب ثم حاول الاتفاق مع الحكومة العراقية وفشل مما أدى إلى وصول فصائل من القوات الإيرانية بمساعدتهم إلى تخوم منطقة گرميان وكانت من نتائجها لاحقا قصف مدينة حلبجة بالقنابل الكيمياوية.
كما يتهم الشيوعيون العراقيون القيادي في الاتحاد كوسرت رسول والراحل نوشيروان مصطفى بالأشراف المباشر على جريمة بشت آشان التي ارتبكت بحق الانصار الشيوعيين في العام 1983، حيث قام الرجلان بمهاجمة حركة الأنصار التابعة للحزب الشيوعي العراقي والتي كانت تقاتل النظام الصدامي، وقاما باعدام اكثر من مئة من الأنصار الشباب ، فيما تم الإفراج عن رفاقهم الكورد.

كوردستان والكوردستانية؛
استخدمت مصطلح “الكوردستانية ” كلاحقة في اسماء الكيانات السياسية ولكنها بقت تدل فقط على قومية ( الكورد) وليس على شعب كوردستان و الوطن و مع الأسف ولم تأخذ معناها الحقيقي في اعتبار المواطنة غير منحصرة بقومية دون غيرها او لحسابات رياضية ( حسابية) لأكثرية او أقلية سكانية في الوطن المشترك بل ان الوطن يسع جنباته الجميع . هذ التوجه القومي يشاهد في نشر الثقافة ورفع أعلام والنشيد القومي رغم وجود توجهات وممارسات محددة داخل برلمان الاقليم لحقوق لما سمي بالأقليات في الإقليم ” الكوته” على غرار سياسة استخدام القوميين العرب لمصطلح “الأمة العربية” دون اي توجه وطني بوجود شعوب وعقائد اخرى في المنطقة رغم ان تاريخ وجود تلك الشعوب الغير عربية اقدم بكثير من تاريخ وصول جحافل الجيش الإسلامي وما يسمى ب”الفتح الإسلامي للعراق” في القادسية قبل الف وأربعة مائة عام .وكنت قد اشرت في كتابات سابقة إلى مؤتمر كركوك حين تم تغير اسم الحزب في المؤتمر الثالث بتاريخ 26/1/1953 المنعقدة في مدينة كركوك، تقرر تغيير الاسم إلى (الحزب الديمقراطي الكوردستاني). هذا التوجه القومي أدى إلى ان الاقوام الأخرى والعقائد ان تأخذ نفس المنحى وتتقوقع هي الأخرى قوميا وتجمع ابنائها تحت مظلة قومية وتنظيمات بمسميات قومية مختلفة وبرايات وأناشيد وارتباطات خارجية بعيدة عن الانتماء الوطني، ورفع أعلام خاصة بهم والابتعاد عن الحديث عن الوطن الكوردستاني.

العداء والسلوك الانتقامي؛
الكيانات السياسية قد تكون على خصام فكري او شخصي لا يتفاهم فيه قائدان اوًحتى عائلتين حاكمتين. هذا طبيعي ونجده في معظم دول العالم لكن لا يصل العداء الىً هدم أسس الكيان. لانه وببساطة لا يوجد هناك حزب سياسي يهدم داره بل هناك دوما قاسم مشترك اعلى هو الوطن والحفاظ عليه وبدون هذا الهدف ليس من المعقول ان يكون لاي حزب من يؤيده.

لكننا نرجع إلى الانتماء إلى سلوك القطيع وما وجدنا علية آبائنا الأولون فالناس تسيرهم هذه الفكرة ومن النادر ان يكون في عائلة شخصين من حزبين أعداء. العداء سلوك يعود الى ثقافة البداوة فهم كانوا يغارون ليلا على جيرانهم ويسلبونهم. العداوة يؤدي إلى الانتقام وتلك مصيبة للأحزاب لان الانتقام فيه بذرة الفناء. نتيجة سقوط قائد القطيع سقوط القطيع وراء القائد لا ريب ان الأحزاب تكون مختلفة فكريا ولها برامجها الخاصة واستراتجياتها. لكن هذا لا يعني محاربة وكيد العداء لكل رأي مخالف.راجع مادتنا على الرابط ادناه:
https://wp.me/p4td94-qd9
الأحزاب في الشرق بصورة عامة لا تقبل النقد والقوميين منهم بالخصوص لا يقبلون اي نقد موجه لهم من غير قوميتهم. هذه المتاهة السياسية ادى دوما إلى محاربة اي فكر يغرد خارج السرب واعتباره عدوا لهم. كان هذا ديدن جميع الحكومات العراقية منذ تاسيس المملكة العراقية. حيث كلف الشعب العراقي الكثير من الأرواح التي زحفت في المعتقلات والسجون فقط لانها خالفت الرأي الرسمي للحزب او الجماعة الحاكمة. هذه الظاهرة نجدها كذلك في الأنظمة الدكتاتورية كذلك اينما وجدت. الديمقراطية الحقيقية تعني تعددية الفكرية للمواطنين وحرية الاختيار للفكر الذي يمثل توجهاتهم وحتى تغير الاتجاه الفكري حسب البرامج الانتخابية التي تطرحها الأحزاب ابان الانتخابات العامة. لذا نرى اليوم ان هناك العديد من الحكومات في الغرب لا تمثل الأغلبية من شعوبها بل تأتلف احيانا او تقود البلاد بحكومة أقلية في حين تقوم المعارضة بدود الرقيب والنقد لأداء الحكومة وسياسته.
لا ريب ان هناك لا تزال دول تفرض على مواطنيها فكرا سياسيا أحاديا ولكن تاريخيا كلها ستزول كنتيجة للحتمية تاريخية. لانها تقف بالضد من التطور وتبقى تدور في محور واحد أسس في عصر ماضي ولا يماشي التطورات الفكرية والتقنية في المجتمعات الحديثة.
التعددية الفكرية تبقى الأمل الوحيد للسلام بين الأمم وبين شعوب الكيانات السياسية ذو الثقافات المتعددة. تكوين الكيان السياسي حتمية تاريخيّة بعيدا عن العصبية القومية. لانها اي الكيان نابع عن إرادة شعبية و وطنية . اما هؤلاء الذين يحاولون تغير عجلة التطور ويبنون الأوهام بناء على مصالحهم الخاصة وسلوكهم العدائي ويقودون شعوبهم إلى المتاهات فمصيرهم الفناء كما علمنا التاريخ.
الشعوب تقاد كالقطيع إلى الانتحار بيد هؤلاء من القادة النرجسيين المنتشرين اليوم في قيادات العديد من الكيانات وفي جميع انحاء العالم، مع الأسف الشديد. المستقبل للسلام بين الشعوب والتعاون والعمل المشترك السلمي في حوار مدني حضاريّ من اجل مصلحة الإنسان. نحن بحاجة إلى التضامن من اجل الحفاظ علىً مكتسبات الشعب ونضال الجماهير والقرابين التي قدمها خلال قرن من الزمان.

الأندلس ٢٠٢٦

الإشارات ؛
الصور؛ من الانترنت
سيرة السياسي المرحوم إبراهيم احمد ؛ https://kurdipedia.org/Default.aspx?lng=11&q=20230704062607503160
الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني: تاريخ من التحالفات والصراع
https://www.bbc.com/arabic/middleeast-41659670
اتفاقية الجزائر؛
https://en-wikipedia-org.translate.goog/wiki/1975_Algiers_Agreement?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq
حركة الانصار في كوردستان ؛
https://www.iraqicp.com/index.php/sections/platform/54180-2021-08-02-09-38-38 https://iraqicparchives.com/index.php/sections/objekt/28101-1978-1989-28 https://iraqtoday.com/news/15445/%D9%83%D9%88%D8%B3%D8%B1%D8%AA-%D8%B1%D8%B3%D9%88%D9%84-%D8%B3%D9%81%D8%A7%D8%AD-%D8%A8%D9%87%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D8%B4%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%A9
التاخي؛
https://altaakhi.net/2025/09/185043/ https://altaakhi.net/2025/10/190290/ https://altaakhi.net/2026/02/228701/
موقع حكومة الاقليم؛
https://gov.krd/arabic/
موقع الاتحاد الوطني الكوردستاني؛
https://www.pukmedia.com/AR/Home
موقع الحزب الديمقراطي الكوردستاني؛
https://www.kdp.info/?l=14
موقع الجبهة التركمانية؛
https://irakturkmencephesi.com/
الحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا)؛
http://www.zowaa.org/ https://www.facebook.com/share/p/1EWEdphCrr/?mibextid=wwXIfr
إبراهيم أحمد.. المناضل والكاتب والحقوقي
إبراهيم أحمد.. المناضل والكاتب والحقوقي

قد يعجبك ايضا