د. فكري عزيز حمد السورجي
يشهد النظام الدولي في العقود الأخيرة تحولاً نوعياً في مفهوم القوة والسيادة، إذ لم تعد الثروات الطبيعية أو القدرات العسكرية وحدها هي التي تحدد مكانة الدولة في البيئة الدولية، وإنما برزت البيانات بوصفها مورداً استراتيجياً يعادل في أهميته النفط والموارد المالية، بل يتجاوزها في بعض الأحيان لما تمتلكه من قدرة على توجيه القرار السياسي وصناعة النفوذ الاقتصادي وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية. وقد أدى الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وإنترنت الأشياء والاقتصاد الرقمي إلى انتقال العالم إلى اقتصاد قائم على البيانات، الأمر الذي فرض تحديات قانونية جديدة على القانون الدولي العام.
ارتبط مفهوم السيادة تقليدياً بالإقليم والسكان والسلطة السياسية، غير أن الثورة الرقمية أوجدت بعداً جديداً يتمثل في السيطرة على البيانات الوطنية وإدارتها وحمايتها. فالبيانات أصبحت رصيداً سيادياً يعكس هوية الدولة الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، ويؤثر بصورة مباشرة في قدرتها على اتخاذ القرار المستقل. ومن ثم فإن فقدان السيطرة على البيانات الوطنية أو انتقالها إلى جهات أجنبية دون ضوابط قانونية قد يؤدي إلى إضعاف السيادة الوطنية وإحداث اختلالات في الأمن القومي والتنمية الاقتصادية.
وتثير هذه التحولات إشكالية جوهرية تتمثل في مدى قدرة قواعد القانون الدولي على استيعاب مفهوم البيانات السيادية، إذ إن معظم الاتفاقيات الدولية صيغت في مرحلة لم تكن البيانات فيها مورداً استراتيجياً مستقلاً. لذلك لا يزال المجتمع الدولي يفتقر إلى نظام قانوني متكامل ينظم ملكية البيانات الوطنية وحدود الولاية القانونية عليها ومسؤولية الدول والشركات العابرة للحدود تجاهها.
كما أن هيمنة الشركات الرقمية العالمية على البنية التحتية للفضاء الإلكتروني أوجدت واقعاً أصبحت فيه شركات خاصة تمتلك معلومات عن المجتمعات قد تفوق ما تمتلكه الحكومات نفسها، وهو ما أدى إلى انتقال جزء من السلطة الفعلية من الدولة إلى الفاعلين الرقميين، الأمر الذي يستوجب إعادة النظر في مفهوم السيادة القانونية التقليدية.
وأصبحت البيانات تمثل أحد أهم عناصر الأمن الوطني، إذ تعتمد عليها المؤسسات العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية والصحية والتعليمية. وأثبتت الأزمات الدولية أن الهجمات الإلكترونية على قواعد البيانات الوطنية قد تكون أكثر خطورة من الهجمات العسكرية التقليدية، لأنها تعطل مؤسسات الدولة وتربك الاقتصاد وتمس الثقة العامة.
ومن الناحية الاقتصادية تشكل البيانات أساس الاقتصاد الرقمي العالمي، حيث تعتمد الشركات العملاقة على تحليل البيانات الضخمة لتطوير منتجاتها وبناء نماذج الذكاء الاصطناعي، مما جعل السيطرة على تدفقات البيانات أحد أهم عناصر التنافس الدولي.
وفي الإطار القانوني يمكن تطوير مبدأ السيادة الدائمة على الموارد الطبيعية ليشمل البيانات باعتبارها مورداً وطنياً جديداً، بما يمنح الدول حق تنظيم إدارتها واستثمارها وحمايتها، مع تحقيق التوازن بين حرية تدفق البيانات عبر الحدود ومتطلبات الأمن الوطني.
لقد أدى التحول الرقمي أيضاً إلى إعادة تشكيل مفهوم الاختصاص القضائي، فالبيانات قد تُنشأ في دولة وتُعالج في أخرى وتُخزن في ثالثة، وهو ما أفرز مفهوم الإقليم الرقمي بوصفه امتداداً للسيادة القانونية في البيئة الإلكترونية.
ومن الناحية الفلسفية أصبحت البيانات شكلاً جديداً من أشكال السلطة، فالقدرة على جمعها وتحليلها والتنبؤ بالسلوك الإنساني تمثل مورداً للقوة السياسية والاقتصادية. كما عزز الذكاء الاصطناعي من قيمتها الاستراتيجية لأنها المادة الخام التي تعتمد عليها النظم الذكية.
وتبرز كذلك إشكالية ملكية البيانات الناتجة عن الاستخدام الجماعي للمجتمع، وهل تعود ملكيتها إلى الدولة أم الأفراد أم الشركات، وهي مسألة لا تزال بحاجة إلى تطوير قواعد قانونية دولية جديدة تراعي طبيعتها غير المادية والعابرة للحدود.
كما أن الاعتماد على الحوسبة السحابية يثير إشكاليات تتعلق بتنازع الاختصاص القضائي وحماية السرية وإمكانية الوصول إلى البيانات من قبل سلطات أجنبية، الأمر الذي دفع عدداً من الدول إلى تبني سياسات توطين البيانات وإنشاء سحب سيادية وطنية.
وتكشف التجارب الدولية عن اتجاه متزايد نحو الاعتراف بالسيادة الرقمية بوصفها امتداداً للسيادة التقليدية، إلا أن غياب اتفاقية دولية شاملة لا يزال يمثل فراغاً تشريعياً ينبغي معالجته عبر قواعد تنظم نقل البيانات الحساسة، والمسؤولية الدولية عن الاعتداء على قواعد البيانات الوطنية، وآليات التعاون القضائي والفني، ومعايير الأمن السيبراني وحماية الخصوصية.
وتخلص هذه الدراسة إلى أن البيانات أصبحت من أهم عناصر القوة في القرن الحادي والعشرين، وأن حماية البيانات السيادية لم تعد خياراً تشريعياً وإنما ضرورة استراتيجية لضمان استقلال القرار الوطني. ويقتضي ذلك تطوير القانون الدولي بما يستجيب للتحولات الرقمية، وإبرام اتفاقية دولية جديدة تؤسس لنظام قانوني عالمي يوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح الرقمي، ويعزز الأمن والاستقرار في النظام الدولي الرقمي.