سرحان محمد علي الكاكئي
دخلت القاعة متأخراً…
كان الزمن يجلس على المنصة،
لا يحمل مطرقة،
بل ساعة قديمة
تسقط الثواني
كما تسقط أوراق الخريف.
وقف الحارس،
ونادى اسمي
بصوت يشبه باباً صدئاً
يفتح قبراً.
التفت حولي…
لم أجد محامياً.
كانت وجوه الحاضرين
كلها تشبهني،
لكنها أكبر مني حزناً.
قال القاضي:
“أين سنواتك؟”
أشرت إلى قلبي.
قال:
“ليس هناك…
لقد فتشنا قلبك،
فوجدنا الخوف يحتل الغرف،
والوحدة تنام على الأسرة،
والأمل واقفاً عند الباب
منذ أعوام،
ولم يأذن له أحد بالدخول.”
ثم دخل الشهود.
دخل أول حلم قتلته بيدي،
وكان يجر قدميه
كشيخ عاد من الحرب.
ودخلت أول قصيدة
مزقتها لأن أحداً
لم يقرأها.
ودخلت نافذة
أغلقتها في وجه الصباح،
كي لا يراني الضوء
وأنا أتشقق بصمت.
حتى المرآة جاءت…
أقسمت أنني
كلما وقفت أمامها
كنت أبحث عن رجل آخر،
ولا أجد سوى
ذلك الطفل
الذي ضل الطريق
إلى مستقبله.
قال الزمن:
“هل لديك ما تدافع به عن نفسك؟”
قلت:
“كنت أؤجل الحياة
حتى أفرغ من خوفي.”
ساد الصمت…
حتى الصمت
أنزل رأسه
خجلاً مني.
ابتسم الزمن،
وكانت ابتسامته
تشبه نهاية مدينة.
قال:
“الخوف ليس جريمة…
لكن أن تمنحه
كل هذا العمر،
تلك هي الخسارة.”
ثم مزق رزنامتي،
وأعاد إلي
ورقة واحدة.
وقال:
“هذا هو اليوم…
إما أن تكتبه
كما يشتهي قلبك،
أو سيضاف
شاهداً جديداً
ضدك
في الجلسة القادمة.”
خرجت من المحكمة…
لم أكن بريئاً،
ولم أكن مذنباً.
كنت مجرد إنسان
تأخر طويلاً
في الوصول
إلى نفسه.