دلزار إسماعيل
الجزء الثالث و العشرون
فِي حَضْرَةِ بَرِيقِكِ …
لم تكن مجردَ صدفةٍ حين أشرقتِ في المدى؛ بل كانت لحظةً اقتنصَتْها لأعيد رسمَ الملامحِ بالضوء … هناك، حيثُ حنَّ الوقتُ وسكنَ العابرون، همستِ بالكلمةِ الأولى، فصارَ الأثيرُ من حولنا يُنشدُ السلام، ووُلدِت من نَفَسِكِ العَذْبِ حكايةٌ لا يطويها نسيان….
أتجوّلُ في أروقةِ أيامنا، فأراكِ في كلّ تفصيلٍ لطيفٍ شَبَّ عن الطوق؛ في بقايا عطرٍ يعرِشُ على أوراقي، وفي طيفِ ابتسامةٍ لا يُغادرُ البال…. عيناكِ… إنهما المرفأُ الذي ألوذُ إليه كلّما تاهت بي السبل، والنورُ الذي يستسقي منه فؤادي دفأه وطمأنينته….
ما العجبُ أن يظلّ نبضُكِ يتردد في صدري رغْمَ شساعة المسافات؟ فالحبُّ السامي لا يقاسُ بالمدى، بل بالعمقِ الذي تركْتِه في الروح…. كلُّ خفقةٍ في غيابكِ تشهدُ أنكِ الشجرةُ الوارفةُ التي غُرِسَت في أعمق نقطةٍ من كياني، يُضيءُ أوراقَها قمرٌ لا يغيب، وتمرُّ بها نسائمُ الشوقِ محمّلةً بالسلام.
أتأمّلكِ كلما تنفّس الصبحُ، لا لأسترجعَ ما كان، بل لأعيشَكِ كحقيقةٍ تتجددُ في كلّ لحظة… لقد غزلنا من بساطةِ طقوسنا عالماً يستحيي العُشّاقُ من جماله؛ حتى إذا جنّ الليلُ وساد السكون، تغافلني ذكراكِ لتتسللَ إلى وسادتي، أستدفئُ بطيفكِ الراقي، وأغفو على أملِ غدٍ أجمل…
يا سَيّدةَ القلبِ ورفيقةَ الرؤى… كم زانت بكِ الأيام، وكم أشرقت بصحبتِكِ أحلامي! إنّني لا أنظرُ إلى أثَرِكِ إلا بحبٍّ يتجدد، وبلهفةِ عاشقٍ يُدركُ تماماً أن أجملَ السطورِ هي تلك التي نسجتِها معي، وأن بريقَ عينيكِ سيبقى دائماً.. الوعدَ والأملَ والبداية…