أسامة النقشبندي.. حارس الذاكرة المخطوطة وباحث في أسرار التراث

محمد علي محيي الدين

في مسار المعرفة العربية الحديثة، يبرز بعض الباحثين الذين كرّسوا حياتهم لصون الذاكرة المكتوبة للأمة، فحفروا في بطون المخطوطات، وأعادوا إحياء نصوص كادت أن يطويها النسيان، فصاروا جسوراً بين الماضي والحاضر. ومن بين هؤلاء يبرز اسم الباحث والمؤرخ العراقي أسامة ناصر محمود النقشبندي، بوصفه واحداً من أبرز المتخصصين في علم المخطوطات والتاريخ التراثي في العراق والعالم العربي.
وُلد أسامة النقشبندي في مدينة البصرة عام 1938، في بيئة عراقية عرفت منذ القدم بتعددها الثقافي وامتدادها الحضاري، الأمر الذي أسهم في تكوين اهتمامه المبكر بالتاريخ والمعرفة. وبعد مراحل دراسته الأولى، التحق بجامعة بغداد حيث حصل على شهادة البكالوريوس في الاقتصاد عام 1963، وهو تخصص لم يمنعه من الانفتاح على ميادين أخرى أكثر قرباً من شغفه الحقيقي، إذ سرعان ما اتجه نحو عالم المخطوطات والبحث التاريخي.
في عام 1971، كان أحد المبعوثين العرب إلى القاهرة لدراسة علم المخطوطات، ضمن برنامج رعته جامعة الدول العربية، وهناك تعمق في دراسة التراث المكتوب ومناهج تحقيق النصوص القديمة، ما عزز مسيرته البحثية ورسخ مكانته في هذا الحقل العلمي الدقيق.
ارتبط اسم النقشبندي طويلاً بالمتحف العراقي، حيث شغل منصب مسؤول قسم المخطوطات بين عامي 1962 و1988، وهي فترة طويلة من العمل المتخصص في فهرسة وحفظ ودراسة المخطوطات النادرة. وفي هذه المرحلة، اكتسب خبرة واسعة في التعامل مع النصوص التاريخية واللغوية والفقهية، وأسهم في الحفاظ على جزء مهم من التراث العراقي المكتوب. وبعد ذلك تولى إدارة «دار صدام للمخطوطات»، مواصلاً عمله في خدمة هذا الميدان العلمي المتخصص.
لم يكن النقشبندي مجرد موظف إداري في مؤسسات المخطوطات، بل كان باحثاً غزير الإنتاج، إذ أصدر أكثر من اثنين وعشرين كتاباً تناولت المخطوطات والآثار والتاريخ، إلى جانب ما يقارب أربعين مقالة علمية نشرت في مجلات متخصصة. وقد عالجت مؤلفاته موضوعات دقيقة في التراث العربي والإسلامي، وسعت إلى إعادة قراءة النصوص القديمة وتحقيقها وتقديمها للباحثين.
ومن أبرز أعماله «المخطوطات اللغوية في المتحف العراقي» الصادر عام 1969، و«مستند الأجناد في آلات الجهاد» الذي قام بتحقيقه ونشره عام 1983، إلى جانب مؤلفات أخرى في مجالات المخطوطات الفقهية، والتاريخ العمراني، والشخصيات التراثية مثل دراسته عن ثابت بن قرة، وكذلك أعمال تناولت عمارة بغداد ومعالمها التاريخية.
وقد عُرف النقشبندي بحضوره العلمي في المؤتمرات العربية، حيث دُعي للمشاركة في فعاليات علمية في القاهرة وصنعاء وغيرها من العواصم، كما كان عضواً في اتحاد المؤرخين العرب، ونال وسام المؤرخ العربي تقديراً لإسهاماته في خدمة التاريخ العربي ودراسة مصادره الأصلية.
ولم تقتصر جهوده على التأليف والبحث، بل دخل أيضاً في حوارات علمية بارزة، من بينها مناقشاته مع الدكتور مصطفى جواد حول قضايا تاريخية تتعلق بمرقد ابن الجوزي، والتي نُشرت في أربع مقالات بجريدة الجمهورية عام 1967، ما يعكس حضوره النقدي وقدرته على خوض النقاش العلمي الهادئ.
كما نال شهادة تقديرية من مهرجان بغداد العالمي للخط تقديراً لجهوده في علم المخطوطات، وهو المجال الذي كان يرى فيه نافذة أساسية لفهم التاريخ العربي، وركيزة للحفاظ على الهوية الثقافية للأمة واستمراريتها.
لقد ظل أسامة النقشبندي، من خلال عمله الطويل في المتاحف والمؤسسات البحثية، ومن خلال إنتاجه العلمي الغزير، شاهداً على مرحلة مهمة من تاريخ الاهتمام بالمخطوط العربي، وباحثاً مؤمناً بأن الورق القديم ليس مجرد بقايا زمن، بل ذاكرة حيّة تحفظ روح الحضارة وتفاصيلها العميقة.

قد يعجبك ايضا