نبيل عبد الأمير الربيعي
ليس من الإنصاف أن يُكتب تاريخ الجامعات العراقية من دون التوقف طويلاً عند أسماءٍ أسهمت في بناء العقل العلمي العراقي، ورسّخت تقاليد البحث الرصين، ودفعت بالجامعة إلى أن تكون فضاءً للمعرفة والتنوير لا مجرد مؤسسة للتدريس. ومن بين تلك القامات الأكاديمية تبرز البروفيسور فوزية العطية بوصفها واحدة من أهم رائدات علم الاجتماع في العراق، ونموذجاً نادراً للمرأة التي صنعت مكانتها بالعلم والكفاءة والإصرار.
ولدت العطية عام 1942 في محافظة القادسية، في بيئة اجتماعية لم تكن تمنح المرأة فرصاً متكافئة للوصول إلى مواقع القيادة العلمية. غير أن الإرادة الصلبة، والإيمان برسالة العلم، جعلاها تتجاوز القيود الاجتماعية والثقافية، لتشق طريقها بثقة نحو الريادة الأكاديمية، في مرحلة كان حضور المرأة في المؤسسات الجامعية العليا محدوداً للغاية.

كان حصولها على درجة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة مونبلييه الفرنسية عام 1968 محطة مفصلية في مسيرتها العلمية. فقد عادت إلى العراق وهي تحمل رؤية أكاديمية حديثة، وخبرة علمية اكتسبتها في واحدة من الجامعات الأوروبية العريقة، لتسهم في تحديث الدراسات الاجتماعية، وربطها بالتحولات التي كان يشهدها المجتمع العراقي والعربي.
وفي عام 1973، سجلت اسمها في تاريخ التعليم العالي العراقي عندما تسلمت رئاسة قسم علم الاجتماع في جامعة بغداد، لتكون من أوائل النساء، وربما أول امرأة، تتولى رئاسة قسم علمي في الجامعات العراقية. ولم يكن هذا المنصب تكريماً شخصياً، بقدر ما كان اعترافاً بكفاءة علمية استثنائية استطاعت أن تفرض حضورها في بيئة أكاديمية كانت القيادة فيها حكراً على الرجال.
خلال سنوات إدارتها للقسم، لم تقتصر جهودها على العمل الإداري، بل كرّست اهتمامها لتطوير المناهج، وتشجيع البحث العلمي، وفتح آفاق جديدة أمام طلبة الدراسات العليا. وكان همّها الأكبر أن يتحول علم الاجتماع من معرفة نظرية إلى أداة لفهم المجتمع العراقي وتشخيص مشكلاته والمساهمة في معالجتها.
وقد انعكست خبرتها الدولية على مشروعها العلمي عندما عملت أستاذة زائرة في جامعة الإمارات العربية المتحدة، ثم أمضت عاماً أكاديمياً في جامعة كمبردج البريطانية، وهي تجربة أغنت رؤيتها الفكرية، وأتاحت لها الاطلاع على أحدث المناهج والنظريات في العلوم الاجتماعية، قبل أن تعود إلى جامعة بغداد أكثر إيماناً بقدرة الجامعة العراقية على إنتاج المعرفة متى ما توفرت لها الحرية والاستقلال.
لقد امتازت البروفيسور فوزية العطية بقدرتها على الجمع بين الحقول المتداخلة في العلوم الاجتماعية، فكان اهتمامها بعلم النفس الاجتماعي، وعلم الاجتماع السياسي، ومناهج البحث، تعبيراً عن إيمانها بأن فهم المجتمع لا يتحقق عبر التخصصات المنعزلة، بل من خلال رؤية علمية شاملة تستوعب تعقيد الظواهر الاجتماعية.
غير أن مسيرتها، مثل مسيرة كثير من العلماء العراقيين، لم تسلم من تدخل السياسة في شؤون الجامعة. فقد أُحيلت إلى التقاعد عام 1994 لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة العلمية، في واحدة من الصفحات المؤلمة التي شهدتها الجامعات العراقية عندما تعرضت طاقات علمية كبيرة للإقصاء والتهميش. لكن التاريخ أنصفها لاحقاً، فعادت إلى جامعتها بعد عام 2003، واستعادت مكانتها الأكاديمية، ليكون ذلك اعترافاً متأخراً بقيمة عالمٍ لم ينقطع عطاؤه رغم كل الظروف.
ولم تقتصر إسهاماتها على التدريس والإشراف على رسائل الماجستير والدكتوراه، بل شاركت في عشرات المؤتمرات والندوات العلمية داخل العراق وخارجه، وأسهمت في إثراء المكتبة الاجتماعية بعدد من الكتب المنهجية والبحوث المحكمة التي أصبحت مراجع مهمة للباحثين وطلبة الدراسات العليا. كما تولّت مسؤوليات علمية ومهنية بارزة، منها رئاسة اتحاد الاجتماعيين العراقيين، والعمل في معهد البحوث والدراسات العربية، والمشاركة الفاعلة في رابطة أساتذة الجامعات العراقية، إلى جانب حضورها في منظمات المجتمع المدني والجمعيات النسوية.
إن قيمة البروفيسور فوزية العطية لا تكمن في المناصب التي شغلتها، بل في المدرسة العلمية التي أسهمت في بنائها، وفي الأجيال التي تتلمذت على يديها، وفي القيم الأكاديمية التي دافعت عنها طوال مسيرتها. فقد آمنت بأن الجامعة ليست بنايةً أو قاعةً دراسية، وإنما ضمير علمي ورسالةٌ أخلاقية ومسؤوليةٌ تجاه المجتمع.
إن الأمم التي تحترم ذاكرتها العلمية لا تكتفي بالاحتفاء بعلمائها بعد رحيلهم، بل تجعل من سيرهم منارات تهدي الأجيال الجديدة إلى أن المعرفة هي الطريق الأقصر لبناء الإنسان والدولة. ومن هذا المنطلق، فإن البروفيسور فوزية العطية تستحق أن تدرج ضمن الشخصيات المؤسسة للحياة الأكاديمية العراقية الحديثة، وأن يُعاد التعريف بإرثها العلمي، بوصفها واحدة من أبرز رائدات علم الاجتماع، وإحدى النساء اللواتي انتصرن للعلم على الإقصاء، وللعقل على التهميش، وللوطن على كل الظروف التي حاولت أن تُقصي أبناءه المبدعين.
إن تكريم هذه القامة العلمية ليس احتفاءً بشخصها فحسب، بل هو احتفاء بتاريخ الجامعة العراقية نفسها، وبجيل من العلماء الذين آمنوا بأن بناء المجتمع يبدأ من بناء العقل، وأن مستقبل العراق لا يُصنع إلا بالعلم، ولا يُصان إلا بالمعرفة.