حسو هورمي
يستخدم الفنان البصري قاسم الشرقي الرمزية السريالية لتفكيك سردية العنف المُحرَّضَة بالدين والسياسة، متنبئًا بالعواقب الوخيمة على الفرد والمجتمع في عمل فني مُغْرٍ صدر عام 2013. وعندما يعرض الفنان عمله، فإنه يبني صورة بصرية مربكة لا تتطابق فيها العلامات والأيقونات، لخلق خطاب يبدو بعيدًا عن مجرد التمثيل الجمالي، بل يقترب من مساحة تحذير إنساني وسياسي مثير.
في قلب هذه التكوين تقع هيئة رجل مُنعقد الذقن مسبقًا، نصف وجهه مواجه للأمام ونصفه الآخر مغطى بألوان زاهية ترمز إلى الحياة – وهو تناقض دلالي واسع ومريب- يخفي ازدواجية أيديولوجية خلف عبارة دينية أو أخلاقية، لكن دائمًا مع عنف مطلق مُغروَس بعمق في جوهرها. تَنتَهي لحية الرجل إلى سيوف مسلولة وهي صورة واضحة، علامة على أن الخطاب الديني صار أداة للقتل. هذه السيوف تتجه نحو عائلة يتم تمزيقها؛ فبينما تتبدد أفرادها بطرق شتى، تُظهر كلا الأمرين: الكلفة غير المتكافئة للعنف المنظَّم على البُنى الاجتماعية والعائلية، وتعدد آليات الإكراه التي يستخدمها المتطرفون. أما اليد الأخرى للرجل التي تخرج من تحت عباءة سوداء ثقيلة، فهي مرتبطة بأيدي حزبه التي تمسك كتابًا أيديولوجيًا كمصدر فكري يُضفي الشرعية على الجريمة. يوظف الفنان هذه الإشارة كجهاز مفصلي للكشف عن هذا الترابط الجدلي بين نص مُلقَّن بالفعل وفعلٍ عنيف، حيث يتحول الكتاب من كونه موضوعًا للتعلّم (المعرفة) إلى وسيلة للهيمنة وأداة للقمع. وقد جرى توضيح هذا المكوّن الحاسم أكثر عبر صورة امرأة عارية، مكشوفة الصدر، تحوم فوق كل شيء، يشتعل جسدها بينما يُحاط فمها ووجهها بقماش أسود ممتدًّا على الجذع؛ دلالة على الاضطهاد الذي صار حقيقة بفرض داعش للنساء الإيزيديات في عبودية جنسية لتقييد الجسد الأنثوي ليصبح مجرد أداة للعقاب، مادة خام للعبودية إن شئت بقدر متساوٍ من الإبادة الرمزية والإعدام الجسدي.
تعمل هذه اللوحة، من منظور نقدي، بوصفها خطابًا استباقيًا يحذّر من النتائج المحتومة لصعود الجماعات الإرهابية في سوريا والمنطقة. نجح الفنان في تحويل التجريد والسريالية إلى أداة استشراف تاريخي، الأمر الذي يجعل العمل أقرب إلى «نبوءة بصرية» سبقت الإبادة الجماعية التي تعرّض لها الإيزيديون في سنجار منتصف عام 2014. تختزل اللوحة في بنيتها الرمزية مجمل الجرائم التي ارتكبها تنظيم داعش، من القتل الجماعي والسبي والاسترقاق، إلى التهجير القسري وتفكيك الهوية الثقافية والدينية.
وعليه، يمكن اعتبار هذا العمل نموذجًا للفن الملتزم الذي لا يكتفي بتسجيل الواقع، بل يسهم في تفكيكه نقديًا، ويفتح أفقًا أخلاقيًا لمساءلة العنف المنظّم. كما يثبت أن الفن التشكيلي، حين يُحمّل بوعي معرفي وإنساني، يكون قادرًا على أن يكون وثيقة بصرية، ووسيطًا نقديًا، وشاهدًا استباقيًا على الجرائم الكبرى التي تهدد الإنسان وكرامته.
وصف اللوحة:
• العنوان: وجه غامض
• التقنية: أكريليك على قماش
• المقاس: 80 × 60
• السنة: 2013
الفنان قاسم الشرقي:
تشكيلي عراقي من مواليد عام 1990 في خانصور التابعة لناحية سنوني ضمن قضاء سنجار، ينتمي إلى عائلة إيزيدية بسيطة. ظهرت موهبته الفنية مبكرًا في سن السابعة، حيث بدأ ممارسة الرسم بقلم الرصاص منذ المرحلة الابتدائية. في مرحلة المراهقة أنشأ مرسمًا صغيرًا في منزله، ومع عام 2003 أصبح مسؤول قسم الخط والرسم في مركز شباب خانصور. أقام أول معرض فني له عام 2007 تحت عنوان «الوفاء»، تناول فيه مفاهيم الكرامة الإنسانية والحياة الكريمة. غادر العراق نهاية عام 2009 متجهًا إلى أوروبا، ووصل إلى ألمانيا عام 2011، حيث استأنف نشاطه الفني بدعم من منظمة ثقافية معنية برعاية المواهب. تتسم أعماله باستحضار الذاكرة المكانية لسنجار وتجربة المنفى، مع تأثر واضح بالمدرسة السريالية، ولاسيما أعمال سلفادور دالي، من حيث الاعتماد على الرمز والخيال والبعد النفسي.