د. عيسى الموسوي
لماذا كل هذه الدهشة من اعتقال إعلامي بتهمة الابتزاز؟
الأكثر إثارة للدهشة أن بعضنا ما زال يعتقد أن ما جرى استثناء، بينما الحقيقة أن الفساد تسلل إلى أجزاء من المشهد الإعلامي حتى صار عند البعض مهنةً موازية للمهنة.
ملفات لا تُنشر، بل تُساوَم بها.
مسؤولون لا يُنتقدون، بل تُلمّع صورتهم.
مقدم برامج يهاجم هذا اليوم، ويمدح ذاك لانه دفع أكثر.
ولست هنا لألقي التهمة على الجميع؛ ففي الإعلام رجال ونساء ما زالوا يدفعون ثمن الكلمة ويؤمنون بأن الصحافة موقف قبل أن تكون وظيفة. لكن هؤلاء، للأسف، أصبحوا في كثير من الأحيان غرباء في سوق لا يكافئ النزاهة كما يكافئ العلاقات.
المشكلة أن بعضهم لم يعد يخجل.
عندما كنت مدير برامج في احدى الفضائيات جاء رجل لايجيد القراءة والكتابة عمل مشغل لمولدة القناة، ثم بعد سنوات قليلة اصبح مدير احدى الفضائيات وتغيّرت حياته بالكامل: سيارات، عقارات، شركات، سفر، وعلاقات لا تنتهي مع أصحاب القرار. وشاءت الاقدار والتقينا وعندما سالته عن سبب هذا الثراء الفاحش
انزعج وهز يده وأنصرف غاضبا
ليست المشكلة في ان ينجح الإعلامي أو أن يصبح ثريًا. المشكلة أن تتحول المهنة إلى باب للثراء غير المبرر، وأن يصبح القرب من المسؤولين مصدرًا للقوة، وأن تتحول الملفات والفضائح من أدوات لكشف الفساد إلى أوراق ضغط في جيوب أصحاب النفوذ.
وهنا تبدأ الكارثة.
فالإعلامي الذي يعرف فساد مسؤول ثم يسكت مقابل منفعة، ليس أقل خطراً من المسؤول الفاسد نفسه. والذي يهدد شخصًا بنشر ملف ثم يتراجع عندما تُدفع له المنفعة، لم يعد يمارس إعلامًا؛ إنه يمارس شيئًا آخر، مهما حاول أن يجمّله بالألقاب والشهادات والظهور على الشاشات.
والأكثر ألما أن الجمهور يرى كل ذلك.
يرى الفاسد يتصدر المشهد، ويرى من يلمّعه يصبح نجمًا، ويرى المهني الحقيقي يكافح من أجل مساحة صغيرة، ثم نطلب منه أن يصدق أن الأمور بخير!
لا، ليست بخير.
لذلك، لا أتفاجه من اعتقال مبتز، ولا أتفاجه من سقوط إعلامي تورط في جريمة. الذي يستحق المفاجاة حقًا هو أن نكتشف بعد كل هذه السنوات أن هناك ابتزازًا داخل الإعلام!
وربما هذه هي المشكلة الأكبر: أن يتحول القبح، مع كثرة تكراره، إلى شيء مألوف؛ وأن يصبح الفساد “عمل”، والابتزاز عمل والتلميع عمل ثم يأتي أحدهم ليسأل باستغراب: لماذا سقط الإعلام؟
الإعلام يسقط يوم يصبح المبتز نموذجًا للنجاح، ويصبح الشريف هو الشخص الذي يُقال عنه: “مسكين… ما يعرف الكتف من اين تاكل
وهنا، تحديدًا، يجب أن نخاف.