كيف رأى السريان محمَّدًا؟ كتابٌ جديد يقرأ البدايات الإسلامية من مصادر «الآخر»

د. فاضل علي باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية

مدخل
من بين الإصدارات التاريخية التي تستحق التوقف عندها هذا العام، يبرز كتاب «محمَّد في المصادر السريانيّة: حين يروي الآخَرُ تاريخَ البدايات» للباحث والأكاديمي العراقي الدكتور نصير الكعبي، الصادر عن المركز الأكاديمي للأبحاث في (514) صحيفة. يقدّم الكتاب مقاربة نادرة لتاريخ الإسلام المبكر، إذ لا يكتفي بسرد الرواية الإسلامية المعروفة، بل يذهب إلى الضفة الأخرى: كيف رأى المسيحيّون السريان، معاصرو تلك الأحداث وشهودها من قلب الأديرة والمجمعات، ظاهرةَ محمَّد والعرب الصاعدين؟
سؤال الكتاب المركزي
ينبني العمل على سؤالين متلازمين:
ماذا قالت المصادر السريانية عن محمَّد؟ وهنا يعرض المؤلف حصيلة توثيقية دقيقة للنصوص.
كيف ولماذا صِيغت تلك الصورة بهذا التعدد؟ فبين وصفه بـ”العربي” و”الإسماعيلي” و”الملك” و”القائد المدبِّر” في الإشارات المبكرة، وبين تصويره لاحقًا بوصفه صاحب تعاليم وناموس وتاجرًا ومحاربًا في الروايات المتأخرة، يقرأ الكتاب هذا التحوّل بوصفه انعكاسًا لتراكم الزمن والجدل اللاهوتي وتبلور الذاكرة الجماعية لمسيحيّي المشرق داخل دار الإسلام.
المنهج
يجمع الكعبي بين التحقيق الفيلولوجي الدقيق للنصوص السريانية والعربية، والقراءة التاريخية المقارنة. فهو لا ينقل مقتطفات مترجمة بمعزل عن سياقها، بل يثبت النصوص السريانية الأصلية مرفقةً بترجماتها العربية، مع شروح لغوية وتاريخية تفكّك دلالات الألفاظ والأسماء والألقاب داخل سياقاتها الزمانية والمكانية.
خلفية المشروع
لم يُكتب هذا العمل بين ليلة وضحاها؛ فجذوره تمتد إلى عام 2014، حين كان المؤلف يتابع بحثه لما بعد الدكتوراه في جامعة تورنتو الكندية، متخصصًا في اللغتين الآرامية والسريانية وتحليل المخطوطات التاريخية. استغرق تحويل تلك الرحلة إلى كتاب متكامل أكثر من عقد من التتبع والتحقيق.
عن المؤلف
الدكتور نصير الكعبي أستاذ جامعي وباحث متخصص في التاريخ الساساني والعرب قبل الإسلام وبدايات الإسلام. من أبرز أعماله بالإنجليزية: A Short Chronicle on the End of the Sasanian Empire and Early Islam: 590–660 A.D. (Gorgias Press, 2016) وEarly Christianity in Iraq (2021)، إضافة إلى مؤلفات عربية منها مسمّى العراق: التاريخ الثقافي للمفهوم من سومر إلى الجمهورية. وهو مؤسس المركز الأكاديمي للأبحاث الذي أسهم في إصدار أكثر من مئات الكتب العلمية.
أهمية الكتاب
تكمن قيمة هذا الإصدار في كسر أحادية القراءة التاريخية للبدايات الإسلامية، ومنح الباحث العربي أدوات نقدية موضوعية للاطلاع على أدبيات “الآخر” المشرقي دون وسائط مترجمة بشكل عشوائي أو مجتزأة من سياقها الفيلولوجي. إنه ليس مجرد إضافة ببليوغرافية، بل وثيقة أكاديمية تؤسس لمرحلة جديدة في دراسة التاريخ المقارن اعتمادًا على الأصول ومباشرة المخطوطات.

قد يعجبك ايضا