(المسرح العراقي: آفاق ورؤى وتجارب)

عبد العليم البناء

عن منشورات الهيئة العربية للمسرح صدر للناقد والباحث المسرحي العراقي عواد علي، من أبرز نقاد المسرح في العراق، كتابه النقدي الجديد الذي حمل عنوان (المسرح العراقي: آفاق ورؤى وتجارب)، وهو الكتاب الثاني عشر له في حقل النقد المسرحي، ويقدم فيه العديد من الرؤى والتجارب المسرحية العراقية المهمة والمتميزة والملهمة بآفاقها المؤثرة والمتنوعة والعميقة .
يتألف الكتاب من فصلين، يتضمن الأول ستة مباحث ومقالات هي: هل عرف العراق القديم المسرح؟، ردود الفعل إزاء الكولونيالية في المسرح العراقي، شكسبير في آفاق التجريب المسرحي العراقي، إعادة إنتاج الأساطير في المسرح العراقي، الممارسة الدراماتورجية في المسرح العراقي، المسرح الاستهلاكي في العراق. ويتضمن الفصل الثاني تسعة مباحث ومقالات حملت عناوين: يوسف العاني: سبعون عامًا على الخشبة، تجارب صلاح القصب في مسرح الجسد، محيي الدين زنكنه: تجارب الكتابة من التراث إلى الأسطورة”، تجارب عواطف نعيم في الكتابة والإخراج، حازم كمال الدين وتجارب مسرح الجسد، تجارب مهند هادي من حظر التجوال إلى الخلاف، تجارب فاضل الجاف المتعدد الثقافات، تجارب كاظم حيدر في السينوغرافيا، وتجارب المخرجين الجدد في المسرح العراقي.
يقول عواد علي في مبحث (هل عرف العراق القديم المسرح): “في سياق التمركز الأوروبي حول الذات، رأى معظم مفكري الغرب وباحثيه ومؤرخيه أن اليونان مهْد المسرح في العالم، لكن ثمة باحثين أثبتوا بالدلائل والوثائق أن الحضارات العراقية والمصرية والآسيوية القديمة عرفت المسرح قبل الحضارة اليونانية بمئات السنين. وإذا كان العديد من المؤرخين والآثاريين والباحثين قد كتبوا عن المسرح في الحضارة المصرية، فإن قلة منهم كتبوا عن المسرح في الحضارة العراقية. ومن بين النصوص التي أسفرت التنقيبات الآثارية عنها في العراق، نصان مسرحيان شبه كاملين، أولهما بعنوان (رثاء أور) يعود إلى الألف الثالثة ق. م، وثانيهما بعنوان (حوارية السيد والعبد) يعود إلى منتصف الألف الثانية ق.م. وقد أخرج كلا النصين المخرج العراقي الراحل د. عوني كرومي، كما أخرج المخرج الكويتي/ البريطاني سليمان البسام عرضا مستوحى من النص الأول عام 2018، وعرضه في ميونيخ بأداء نخبة من الممثلين العرب والألمان”.

ويرى عواد علي في مبحث (إعادة إنتاج الأساطير في المسرح العراقي) أن الشاعر والباحث الدكتور خزعل الماجدي يُعدّ من أبرز الكتّاب العرب الذين أنتجوا نصوصًا مسرحيةً مكيّفةً عن التراث الأسطوري الرافديني، في سياق اشتغاله البحثي والإبداعي على الميثولوجيا والأديان والسحر. وقد ذاعت شهرة نصوصه في أرجاء الوطن العربي، وحظيت باهتمام وحضور واسعين في العديد من المهرجانات المسرحية العربية والدولية، وكُتبت عنها دراسات ومقالات ورسائل وأطروحات جامعية كثيرة، أجمع أغلبها على أنها (نصوص مفتوحة) اتخذت من الأساطير والينابيع والمصادر الدينية ونصوص التصوف والإشـراق والغنوصية رافدًا جرى امتصاصه لإظهار رموز لها وظائف جديدة من خلال حذف وحدات نصية، أو إعادة تركيبها وتسليط الضوء على وحدات أخرى لم تكن مقروءةً سابقًا، وإضافة (موتيفات) أو ثيمات جديدة إليها لإثرائها دراميًا ودلاليًا.”
ويضيف عواد علي أن الماجدي اعتمد صيغتين في كتابة نصوصه، “إحداهما صيغة إبداعية تتمثّل بإعادة إنتاج الأساطير، أو تأويلها دراميًا وفق رؤية معاصرة أحدثت تغييرًا في أحداثها، أو شخصياتها، أو نواتها الأساسية، أو منظوراتها، لتتناغم ومشاغل عصرنا الحالي، وقضاياه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، انطلاقًا من منظومة الأفكار والتصوّرات التي يحملها، والثانية صيغة افتراضية انتزع فيها الشخصيات الأسطورية من محاضنها وزرعها في الحاضر، وافترض لها وجودًا ومواقف وأفكارًا متخيّلةً، ووضعها في فضاءات معاصرة، وزجّها في صراعات مع شخصيات معاصرة. وفي كلا الصيغتين نسف الماجدي البنية النصية للأساطير، بعد امتصاصها، ليؤسّس نصوصه الدرامية، وإظهار رموز لها وظائف جديدة تنسجم مع أفكاره ورؤاه.”
ويحلل عواد علي تجارب المخرج والكاتب المسرحي حازم كمال الدين في مسرح الجسد قائلًا: ” إنه يعتمد منهج (المعاناة) أسلوبا في صياغة أعماله المسرحية، الأمر الذي دفعه إلى التركيز على البحث الداخلي (العودة إلى الذات) وصولًا إلى مركز الطاقة في الممثل، حيث يقضي مدة طويلة في تمارين متنوعة مع الممثل تحثّه على ملامسة ذلك المركز (الذات). وعندما يعثر عليه أو يشعر به يبدأ بالتعامل مع أدوات أخرى تقويّ المركز، وتدفعه إلى الحضور المجسَّد من خلال تطويره الداخلي وربطه بما هو خارج الممثل.
ويضيف: “إن كمال الدين بدأ عمله متنكّرا الأساليب التي يرتديها الجسد اليومي، أو الجسد المستخدم كوعاء لتجميع المعارف، ولم يعد يعتبر (المشاهدين) مجموعة عناصر استقبال يستخدمها لإيصال فكرة، أو للبحث من خلالها عن الشهرة، أو يمارس عليها سلطة ما، أو يقول لها أو يعلّمها شيئا، ذلك أنّ علاقة عمله المسرحي بالجمهور هي علاقة امتداد وتواصل ومجابهة، لا تتم إلاّ عبر اكتشاف المركز، ثم تقويته وتطويره حتى يصل إلى مرحلة الاستعداد للوقوف وجها لوجه أمام العنصر الجديد: المشاهد. أما في مرحلة التركيز على اتصال المركز (الذات) بما هو خارجها، فإنه يعمل مع جملة عناصر أهمها: الممثل الآخر، الفضاء المسرحي، والنص.”
ويقف علي في مبحث (تجارب المخرجين الجدد في المسرح العراقي) على عروض كل من المخرجين: أنس عبد الصمد، تحرير الأسدي، علاء قحطان، ومحمد مؤيد، مؤكدًا أنهم “حفروا في الصخر، وأبدعوا بروح شبابية عصامية لتقديم تجارب جديدة، على الرغم من الظروف الصعبة التي رافقت عملهم، واستطاعوا إيصال عروضهمم إلى الجمهور العربي والدولي عبر المهرجانات المسرحية التي شاركوا فيها، وانتزاع جوائز مهمة منها شملت الإخراج والتأليف والتمثيل وعناصر فنية أخرى.”
وختم علي مبحثه هذا بأن هؤلاء المخرجين أصحاب مشاريع حرصوا من خلالها على تطوير المسرح العراقي، الذي احتل مكانةً مرموقةً في المشهد المسرحي العربي خلال أكثر من نصف قرن مضى، كما أكدوا وفاءهم لمنجزات الأجيال التي سبقتهم، وسعوا إلى إثرائها بصيغ وأشكال فنية تنهل مما يشهده العالم من أشكال مسرحية جديدة، وتستثمر تقنيات حديثة في أساليب الأداء والسينوغرافيا، كالرقص التعبيري (الكوريغرافيا)، والسينما والوسائط الرقمية.”

قد يعجبك ايضا