الكورد الفيليون في مبحث لمؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية

القسم الاول

 

اعداد: عدنان رحمن

 

             في مبحث بعنوان ( الأقليات في العراق- ” الذاكرة* الهوية* التحديات”) الصادر عن مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والاعلامية عام 2014، التي يرأسها الاستاذ سعد سلوم، ورد الكثير عن الاقليات في العراق، وقد اخترنا جزءاً مما ذكر عن الكورد الفيليين فيه، وذلك استناده الى عدة بحوث لاشخاص ترد اسمائهم مع عناوين مباحثهم المختلفة العناوين داخل الاصدار،و كما هو أدناهفي القسم الاول:

– ” الكورد الفيليون: شقاء الهوية المركبة وجرح الذاكرة الجماعية لــ ( فريدة جاسم داره) ): ( الكورد الفيليون هم أقلية قومية مركبة من عناصر متعددة، إذ على الرغم من المقومات الأثنية التي تجمعهم بالكورد، إلا أنهم يتميزون بالانتماء للمذهب الشيعي ( معظم الكورد سُنّة على المذهبالشافعي)، فضلاً عن تميز لهجتهم ( اللورية، الفيلية، والبختيارية) عن بقية اللهجات الكوردية ( السورانية، البهدينانية، والزازاكية).

الفيليون ( التسمية): هناك اختلاف بشأن تحديد أصل ومدلول كلمة ( فيلي)، في حين الذي يطلقها بعض الباحثين على الثوري، أو المتمرد، أو العاصي، في يحن يرى بعضهم الآخر أنها تعطي معنى الشجاع والباسل، وهي صفات اشتهر بها سكان الجبال. (2) لكن هناك من يرى أن مصطلح الفيلي، اشتق من الفهلوية لغة أجداد الفيليين (٣)، وهي اللغة المقدسة للديانات المجوسية والديانات الدائرة بفلكها. وقد أشار الباحث (شوبرل) إلى أن الفيليين هم من القبائل الكوردية التي استوطنت المناطق الجبلية بين تركيا وإيران، ويورد ذكر اسم العراق آنذاك، لأنه كان جزءاً من الدولة العثمانية. )

الفيلي ( كوردي شيعي): أصبح مصطلح ( الفيلية) متداولاً في أوائل القرن التاسع عشر للدلالة على سكان أقصى الجنوب من كوردستان، وبالتحديد منطقة (بيشتكو)، الذين صاروا ضمن حدود الدولة العراقية بعد ترسيم الحدود ما بين إيران وتركيا العام (١٩٠٥)، ومن ثم صار هذا المصطلح ذا دلالة مذهبية أكثر من كونه سمة قومية. فحينما يقول شخص ما بأنه فيلي، يتبادر إلى أذهاننا فوراً أنه (كوردي شيعي)، وليس سُنيّاً، لكن كثير من سكان مندلي وخانقين وكورد الجنوب لا يستعملون مصطلح (فيلي) للتعريف بأنفسهم، على الرغم من السمة المذهبية التي تجمعهم، لسببين أولهما أنهم من أصول ريفية هجرهم النظام البعثي في سبعينيات القرن العشرين، من مناطق سكناهم إلى بغداد ومحافظات أخرى بعيدة عن موطنهم الأصلي، نتيجة سياسة التغيير الديمغرافي لمناطقهم، لذا ما زالوا يفكرون ويتصرفون من خلال العقلية الريفية، ويعرفون أنفسهم للآخرين من خلال ألقاب عشائرهم، على العكس من الفيليين اللوريين الذين عدّوا من أهالي بغداد الأصلاء، ويظهر عليهم طابع التحضر. وثانيهما أن لقب فيلي قبل العام (٢٠٠٣)، كان يطلق على الكورد الذين يحملون اشارة تبعية إيرانية في جنسيتهم، أو لديهم الإقامة الدائمة دون الجنسية، وليسوا من الكورد الذين يحملون جنسية عثمانية، فكثيرون كانوا يخافون من ربط أسماء عوائلهم بلقب فيلي، خوفاً من التهميش والتهجير الذي طال من يحملون صفة التبعية الإيرانية.

توزيعهم الجغرافي وحجمهم الديموغرافي: ينتشر الفيليون على طوال حدود إيران- العراق في جبال زاكروس، ابتداءً من جلولاء وخانقين ومندلي وبلدروز شمالاً، إلى مناطق علي الغربي جنوباً، مروراً بمناطق بدرة وجصان وزرباطية والكوت والنعمانية والعزيزية، التي تقع أغلبها في محافظة واسط، فضلاً عن بعض قرى محافظة ميسان، وشرق محافظة ديالى. أما الفيليون في الجانب الإيراني؛ فتتوزع مناطق سكنهم في لورستان؛ وتشمل محافظات كرماشان وعيلام وخوزستان، ومدنها من الشمال إلى الجنوب هي: خسروي، وقصر شيرين، وكرماشان، وإسلام آباد غرباً، وسربيل زهاب، وعيلام، وبدرة الايرانية، ومهران، وانديمشك التي تحاذي الجنوب العراقي في محافظة ميسان. فضلا عن انتشار الفيلية في: بغداد، وديالى، وواسط، والنجف، وميسان، والناصرية، والديوانية، والبصرة، ومثنى، وكربلاء، وبابل، وهي مناطق تقع خارج حدود المحافظات الكردستانية، يمثل خاصية أخرى ( فضلاً عن اعتناقهم التشيع) تميزهم عن الكورد في كوردستان العراق. أما ابرز مناطق سكناهم في بغداد حالياً فهي: شارع الكفاح، والعقاري، وشارع فلسطين، وجميلة الأولى والثانية، ومدينة الصدر، والشعب، والمشتل، والكاظمية، وغيرها. (5) اما عن استقرارهم في بغداد فمن الصعوبة تحديد تاريخ بعينه يمكن عده مؤشراً على استقرارهم في العاصمة، لكن بالإمكان أن نشير إلى أن بغداد بداية القرن العشرين، صارت تعكس التنوع الإثني والثقافي لجميع سكان العراق، وشاركت الجماعات الإثنية والدينية من العرب والكورد والإيرانيين والأتراك والمسيحيين واليهود والأرمن في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية فيها. ومن العوامل التي ساعدت الفيليين على الاستقرار في بغداد؛ هي أن الطريق البري التجاري بين بغداد وإيران كان يمر في مناطق لورستان الصغرى، فالعلاقات التجارية والاتصالات المستمرة بين بغداد وتلك المناطق اللورية، دفعت أغلب الفيليين وعائلاتهم إلى الإقامة في بغداد. وخلال العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، لم يكن إلا قلة من الفيليين يمارسون التجارة، في حين كانت الغالبية العظمى من صغار الكسبة والعتالين والحرفيين والعمال، وخلال تلك المدة عملوا مع التجار اليهود، وأفادوا من خبراتهم الطويلة في التجارة، وعليه عُرف الفيليون في أواخر الأربعينيات من القرن العشرينفي حياة بغداد التجارية، وعندما أُجبر غالبية اليهود على الهجرة إلى إسرائيل أوائل الخمسينيات، سرعان ما بادر الفيليون إلى سد ثغرة كبيرة في التجارة، وقطاع البيع أوجدها رحيل التجار والباعة اليهود. (6) وفي بداية الستينيات أصبح الفيليون من الجماعات الفاعلة في المجتمع البغدادي. وفي منتصف السبعينيات كان غالبية الفيليين ينتمون إلى الطبقة الوسطى أو العليا الوسطى، وبدأوا بالانتقال من أحيائهم القديمة مثل؛ عكد الأكراد، وباب الشيخ، والشورجة، والفضل، التي تقع في الجانب الشرقي من بغداد، إلى الأحياء السكنية الجديدة للطبقة المتوسطة مثل، العقاري، وشارع فلسطين، وحي جميلة، في حين ظل آخرون يعيشون في أحياء بغداد القديمة حيث كانت مصالحهم. فضلا عن ان هذه الخلفية لصعود الفيلية كجماعة ذات ثقل اجتماعي واقتصادي، تفسر جانباً من مخاوف النظام البعثي الذي أطلق عملية تهجيرهم الواسعة في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين (7). إذ شكّل الفيليون لوبياً اقتصادياً فاعلاً من خلال تحكمهم بالنشاط التجاري في سوق الشورجة، فضلاً عن مساهمتهم الفاعلة في غرفة تجارة بغداد في ستينيات القرن الماضي، ناهيك عن فاعليتهم في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. وبسبب هويتهم المركبة؛ تشتتوا في الانتماء للتيارات السياسية، فمثل غيرهم من الأقليات وجدوا في الانتماء لليسار خير معبر عن طموحاتهم الأممية، بعيداً عن النظرة الضيقة لهم بوصفهم أقلية مشكوك بها، بالنسبة لخطاب التيار القومي العربي الذي سيطر على الحكم في العراق ١٩٦٣ – ٢٠٠٣، وبسبب خلفيتهم الإثنية الكوردية انضم بعضهم إلى الأحزاب الكوردية مثل؛ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، وبسبب انتمائهم المذهبي الشيعي؛ انخرط بعض آخر في حزب الدعوة الإسلامي، ومنظمة بدر، والمجلس الأعلى، وغيرها من أحزاب الإسلام السياسي الشيعي. ومنذ تشيعهم اشتركوا مع نظرائهم من العرب الشيعة في إحياء الممارسات والطقوس والتقاليد الدينية الشيعية مثل ( عاشوراء) لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع)، ومناسبات أخرى في التقويم الشيعي تتعلق بولادات ووفيات الأئمة الاثني عشر، حتى أن مشاركة غالبيتهم في نوروز ( عيد الربيع) اتخذ طابعاً شيعياً، إذ يذهبون لزيارة الإمام علي (ع)، وزيارة قبور موتاهم والترحم عليهم بدفع الصدقات، بدلاً من حضور الاحتفالات البهيجية مع الكورد في كوردستان العراق بمناسبة عيد الربيع، الذي يرمز إلى بداية السنة الكوردية. كما أنهم يقومون بدفن موتاهم في مقبرة النجف الأشرف مع العرب الشيعة، بجوار قبر الإمام علي(ع)، فالنجف باعتقادهم هي ثالث الأقداس بعد مكة والمدينة، كما تتشح النسوة الفيليات بالسواد عند وفاة أحد أفراد العائلة لمدة لا تقل عن عام، وعلامات الحزن والانكسار تبدو عليهن بشكل مقارب لما يبدو عليه سلوك نساء شيعة جنوب العراق، اللواتي يتميزن بغلبة طابع الحزن والشجن، مقارنة بسلوك النساء في كوردستان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1قسم علم الاجتماع، كلية الآداب، جامعة بغداد.

2أحمد ناصر الفيلي، الكورد الفيليون بين الماضي والحاضر، مؤسسة الثقافة والإعلام، بغداد، من دون سنة، نشر، ص ١٥.

3سليم مطر، جدل الهويات: صراع الانتماء في العراق والشرق الأوسط، مؤسسة رهه نكَي سماء، ١٣٨3 هـ، ص ٢6٩.

4- أحمد ناصر الفيلي، مصدر سبق ذكره، ص ١6.

5- الكورد الشيعة في العراق، منظمة السلام للكورد الفيلية، بغداد، ٢٠٠٨، ص ٧.

6- د. سعد بشير اسكندر: الكورد الفيليون و حزب البعث 1963-2003.

7- المصدر السابق نفسه.

قد يعجبك ايضا