الراحل إدريس البارزاني في مبحث أكاديمي ” وللتعبير عن حبهم للبارزاني رفع الكورد الفيلِيّون سيارته عدّة مرّات”

 

اعداد: عدنان رحمن

اصدار: 14- 7- 2026

 

               في العام 2025 صدر في اربيل عاصمة اقليم كوردستان كتاب بعنوان الراحل ” إدريس البارزاني ( 1944- 1987) حياته ودَوره السياسي والعسكري في الحركة التحررية الكوردية- دراسة تاريخية”. من تأليف كاروان جوهر محمد وتُرجِمَ الى العربية من قبل عبد الله بابان، الذي طٌبِعَ في مطبعة روكسانا للطباعة والنشر. جدير ذكره ان الكتاب هو رسالة ماجستير قدمت الى قسم التاريخ في كلية الآداب- جامعة صلاح الدين في العام 2017، ومنحت درجة جيد جدا. الرسالة الاكاديمية تألفت من اربعة فصول هي: الفصل الاول: ( حياة وشخصية ” الراحل” ادريس البارزاني). الفصل الثاني: ( الدور السياسي والعسكري لادريس البارزاني خلال الفترة 1961- 1969. الفصل الثالث: الدور السياسي والعسكري لادريس البارزاني خلال الفترة 1970- 1975. الفصل الرابع: دور ادريس البارزاني في الحركة التحررية الكوردية بين الاعوام 1975- 1987. وقد اخترنا جزءاً من الفصل الاول، المبحث الثالث، الذي كان بعنوان ( حياة ادريس البارزاني خلال 1958- 1964)، الذي تألف من: أولاً: عودة القائد مصطفى البارزاني ” الخالد” وتأثيره على نشأة ادريس البارزاني. اما في البداية فنذكر مقدمة المترجم التي هي:

– ” تشكّل دراسة الشخصيات الوطنية التي ساهمت في النضال التحرري أحد أهم محاور البحث التاريخي المعاصر، حيث تسلّط الضوء على الأدوار الفردية المؤثرة في صياغة مسار الأمم وتحديد مصائرها. وتأتي هذه الدراسة لتسليط الضوء على شخصية إدريس مصطفى البارزاني الذي برز كأحد أبرز القادة الذين جمعوا بين البراعة العسكرية والحنكة السياسية في مرحلة حاسمة من تاريخ كوردستان. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الدور المزدوج الذي لعبه هذا القائد في الميدانين العسكري والسياسي، وكيف تمكّن من توظيف قدراته القيادية لخدمة النضال الوطني وتحقيق الأهداف التحررية للشعب. كما تسعى لاستكشاف الستراتيجيات والتكتيكات التي اعتمدها، والتحديات التي واجهها، والإنجازات التي حققها على الصعيدين العسكري والسياسي.يتجلّى الدور الإيجابي لإدريس مصطفى البارزاني في عدّة أبعاد أساسية، فعلى الصعيد العسكري، أظهر قدرة استثنائية في تنظيم وقيادة القوات، وتطوير استراتيجيات عسكرية مبتكرة ساهمت في تحقيق انتصارات حاسمة ضد العدوّ في ميادين القتال. أمّا على الصعيد السياسي، فقد نجح في بناء تحالفات واسعة، وحشد الدعم الشعبي، وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة في المجتمع. كما لعب دوراً محورياً في تعزيز الوحدة الوطنية وإرساء أسس التعاون بين مختلف القوى السياسية والوطنية في كوردستان.

ومن الفصل الأول من المبحث الثالث كما اوردنا ذكر:

– ” أولاً – عودة القائد مصطفى البارزاني وتأثيره على نشأة إدريس البارزاني: بعد انهيار جمهورية كوردستان في مهاباد لجأ مصطفى البارزاني إلى الاتحاد السوفيتي، حيث أمضى فيه نحو اثني عشر عاماً لاجئاً مع رفاقه، وكان يُعد نفسه ورفاقه ليوم يلعبون فيه دوراً كبيراً في إحياء النضال القومي الكوردي. قامت مجموعة من ضباط الجيش العراقي في (١٤ تموز ١٩٥٨)، الذين أطلق عليهم اسم الضباط الأحرار، بقيادة عبدالكريم قاسم (١٩١٤ – ١٩٦٣)، بإنهاء النظام الملكي بعملية عسكرية وأعلنوا عن قيام النظام الجمهوري. لم تكن تلك الثورة حدثاً مفاجئاً في تاريخ العراق، بل إن عدّة عوامل داخلية وخارجية وظروف سياسية واقتصادية واجتماعية لعبت دوراً مباشراً فيها.جدير ذكره أن التاريخ السياسي للعراق شهد خلال تلك الفترة أحداثاً عديدة، أدت إلى تغييرات ظاهرة على كافة المستويات الإقليمية والدولية وأحدثت تغييرات في العلاقات الإقليمية والدولية. وعلى صعيد القضية الكوردية في جنوب كوردستان بدأت مرحلة جديدة من النضال في الحركة القومية الكوردية، والتي رحبت بها وشاركت فيها بأمل وتفاؤل منذ البداية، فوفقاً للدستور العراقي المؤقت الذي أعلن في (٢٧ تموز ١٩٥٨) نصت المادة (٣) من هذا الدستور على: ( يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم وصيانة حرياتهم ويعتبر العرب والكورد شركاء في هذا الوطن ويقرّ هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية). جدير ذكره أن حكومة عبدالكريم قاسم أصدرت بياناً في ٢٠ تموز من العام نفسه، أطلقت فيه سراح جميع المعتقلين، وكان من بينهم الشيخ أحمد البارزاني. حيث أطلق سراحه في صباح اليوم الثاني، بعد أن أمضى أحد عشر عاماً في السجن، وعاد إلى منطقة بارزان مع أسرته. وكان معه إدريس البارزاني ووالدته في عودتهم حيث استقروا في ميركَسور. ولقد كان أحد أهم إنجازات ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م العفو عن البارزاني ورفاقه وعودتهم. فقد صرّح عبدالكريم قاسم قبل قيام الثورة في أحد اجتماعات خلايا الضباط الأحرار والذي عقد في منزل (حمه علي خاليي) عن انتصار الثورة والحقوق الكوردية قائلاً: ( …أنتم الكورد مستعدون جميعاً وتعجبوننا، أي تعجبون الثورة، سيكون لكم دور فعال في انتصار الثورة، سأعيد البارزانيين قبل كل شيء، وسنجعل الكورد شركاء في جمهورية العراق). لذا نرى أن عبدالكريم قاسم أصدر في (٢٧ تموز ١٩٥٨) عفواً عن البارزانيين كافة بناءً على طلب الشعب الكوردي عامة والـ(ح.د.ك) خاصة. وكان مصطفى البارزاني في المهجر يقيم في (موسكو) آنذاك على علم بالأحداث والخطوات التي تجري في العراق، فغادر الاتحاد السوفيتي إلى رومانيا ناوياً العودة إلى العراق، حيث استقبل من قبل رئيس ذلك البلد، ووجّه من (بوخارست) عاصمة رومانيا، من خلال سفارة الجمهورية العربية المتحدة برقية تهنئة إلى عبدالكريم قاسم بمناسبة انتصار الثورة، وعرض موضوع عودته إلى أرض الوطن، وتوجّه من هناك إلى (براغ) عاصمة تشيكوسلوفاكيا، واستقبل من قبل رئيس البلاد (أنتوني توفتي) وبقي هناك لمدة شهر تقريباً. وقد شكّل الـ(ح.د.ك) وفداً للذهاب إلى (براغ) لمرافقة البارزاني خلال العودة إلى البلاد، والتقوا في تلك المدينة وبعد مناقشة قصيرة حول الأوضاع في كوردستان، فضلوا العودة عن طريق (القاهرة) عاصمة مصر، وتم ترتيب لقاء لحوار سياسي بين مصطفى البارزاني وجمال عبدالناصر (١٩١٨-١٩٧٠)، على أمل أن يضعا أسس التعاون بين القوميتين ( الكوردية والعربية). وفيها كان الشعب العراقي بشكل عام والأمة الكوردية بشكل خاص يتطلعان بشوق إلى خطوات عودة البارزاني. جدير ذكره أنه قبل عودة مصطفى البارزاني إلى بغداد كان إدريس البارزاني في ميركَسور، لذلك عندما وصل خبر عودة البارزاني إلى عائلته، عاد هو وأفراد عائلته إلى تلك المدينة لمشاركة الأهالي استقبال البارزاني. وبعد ان عاد مصطفى البارزاني إلى بغداد بالطائرة بعد ثلاثة أشهر من قيام الثورة، في (٦ تشرين الأول ١٩٥٨)، حيث استقبل بحفاوة من قبل حشد كبير من الجماهير. ومما يجدر ذكره أن دور الحزب الشيوعي العراقي في هذا الاستقبال كان فعالاً جداً، لأنه جمع أكبر عدد من أعضائه وأنصاره. وطبعوا عدداً كبيراً من صور البارزاني في مطبعة (دار الشعب) ببغداد، حتى أن الشيوعيين عدّوا البارزاني شخصية تابعة لهم. وللتعبير عن حبهم للبارزاني رفع الكورد الفيلِيّون سيارته عدّة مرّات. لم تكن عودة مصطفى البارزاني أمراً عادياً، بل كان لها صدى سياسي على نطاق واسع، ومعان وآفاق خاصة. ثم بدأت مرحلة جديدة من النضال السياسي والدبلوماسي والمسلح للشعب الكوردي في جنوب كوردستان، بعودة البارزاني إلى العراق بعد سقوط النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري في البلاد، وجدّد قيادة (ج.د.ك) وبالتالي خرجت قيادته من الإطار المناطقي إلى إطار جنوب كوردستان كلياً. و لقد كان دعم البارزاني والقيادة الكوردية لثورة ١٤ تموز، عملاً صائباً ومهماً، لأنه أجبر قادة هذه الثورة على إعادة النظر في حقوق ومصالح الشعب الكوردي.وكان تغيير النظام السياسي في العراق وعودة البارزاني، والاستقبال الحافل الذي حظي به في بغداد وبقية المدن العراقية من قبل الشعبين العربي والكوردي. شكّل نقطة تحول كبيرة في حياة إدريس البارزاني، لأنّه كان حينها في بداية شبابه، خاصة أنه تحرر بعد سنوات طويلة من المنفى والسجن والتهجير والإقامة الجبرية المفروضة على عائلته.وانخرط في جو سياسي بحت لأن بيتهم أصبح مكاناً للأنشطة الحزبية والتجمعات المتوالية، ومع ذلك وبناءً على توصية والده الذي أصّر على أن يدرس أبناؤه، لذلك واصل تعليمه الثانوي في مدينة بغداد. وبهذا الشكل، وبعد هذا الفراق الطويل، سَعَدَ إدريس البارزاني بلقاء والده مرّة أخرى، ولم يفارقه مدة ثلاث سنوات، ليصغي لأقواله ويراقب عن كثب حركاته وسكناته كافة، ويفتح ذهنه له كاملاً. ويتخذ سلوكه مرشداً له، وسنحت له الفرصة ليستفيد من تجاربه الفكرية والسياسية والاجتماعية، أثر العمل شبه العلني للـ(ج.د.ك) وتطور النضال السلمي للشعب الكوردي وشعب العراق، ومن ثم ازدهار المؤسسات السياسية والحزبية في العراق على تفتق الذهن السياسي لادريس البارزاني، فقد اصبح منزل البارزاني مكاناً للنشاط السياسي الكوردي، وملتقى الوفود القادمة من عدد من المدن العراقية للترحيب بعودته، فكان له حضور في تلك الاجتماعات وعلى دراية كاملة بالوضع السياسي”. (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- برنامج وثائقي عن حياة ادريس البارزاني من ارشيف فضائية كوردستان.

           

قد يعجبك ايضا