الفرق بين الإبادة الجماعية والقتل الجماعي

حسو هورمي

المصطلحان الإبادة الجماعية والقتل العام غالبًا ما يتم استخدامهم بشكل مترادف في التعريفات الإعلامية والسياسية، وذلك لارتباطهما بوقوع عدد كبير من الضحايا. ومع ذلك، يتضح الفرق بينهما في القانون الدولي، حيث تعتبر الإبادة الجماعية جريمة دولية محددة بدقة، بينما يُعتبر “القتل العام” تعبيرًا عامًا لا يتمتع بتعريف قانوني مستقل في القانون الدولي. وينبع الفرق الرئيسي بين المفهومين من القصد الجنائي الخاص، أي النية التي تقف وراء ارتكاب الجريمة، الفرق الجوهري بين المفهومين يأتي من وجود النية الجنائية الخاصة، وهي العنصر المحدد للإبادة الجماعية. ولا يكفي ارتكاب القتل الجماعي بشكل جماعي لتكوين صفة الإبادة الجماعية قانونيًا، بغض النظر عن حجم الدمار أو عدد الضحايا.
لا شك أن التمييز بين الإبادة الجماعية والقتل الجماعي أو المجزرة يُعدّ من القضايا المهمة في القانون الجنائي الدولي، حيث يترتب على هذا التمييز آثار قانونية فيما يتعلق بالتوصيف القانوني للأفعال، وتحديد المسؤولية الجنائية الدولية، واختصاص المحاكم الدولية والوطنية. ورغم أن كلا المفهومين يشير إلى وقوع خسائر بشرية واسعة النطاق، فإن القانون الدولي لا يُعادلهما، بل لكل منهما نظام قانوني مختلف يستند إلى عناصر مادية ومعنوية محددة.
أولاً: مفهوم جريمة الإبادة الجماعية في القانون الدولي
تعتبر جريمة الإبادة الجماعية من أخطر الجرائم التي يُمكن أن تُرتكب على الساحة الدوليّة، وتحصّلت على وضع منفصل قانونيًا بصدور اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها سنة 1948 والتي تبنّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتمّ إعادة صياغة تعريف الجريمة في المادة 6 في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لسنة 1998 تحت عنوان “جريمة الإبادة الجماعية”.
تعرّف الاتفاقية الإبادة الجماعية على أنّها أية فعل يرتكبه أحد الأطراف بهدف القضاء على جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية سواء كان ذلك كليًا أو جزئيًا.
ثانيًا: معنى القتل الجماعي في القانون الدولي. لا يوجد تعريف قانوني مستقل للقتل الجماعي أو القتل الجماعيّ في القانون الدولي، ويُستخدم هذا المصطلح طوال المقال كتعبير موضوعي/إعلامي لشرح ذبح أعداد هائلة من البشر خلال فترة زمنية قصيرة أو عنف منخفض المستوى. وبذلك، لا يُعد هذا المصطلح فئة قانونية مستقلة؛ بل قد يقع فعلاً ضمن فئات مختلفة من الجرائم الدولية تبعًا للظروف، بما في ذلك؛على سبيل المثال لا الحصر”جرائم الحرب إذا ارتُكبت بالمخالفة لقواعد القانون الدولي الإنساني أثناء نزاع مسلح، أو الجرائم ضد الإنسانية عندما كانت الحرمان جزءًا من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد المدنيين، وكان مرتكبه على علم بذلك الهجوم. وعليه، فإن معايير التكييف القانوني لا تعتمد فقط على عدد الضحايا، بل أيضًا على طبيعة الأفعال الإجرامية المرتكبة، وسياق الجريمة، وعناصر تعريف كل جريمة من الناحية القانونية.
1: تُعد الإبادة الجماعية جريمة دولية متميزة بموجب قانون المعاهدات، ولها تعريفها الخاص، بينما لا يُعد القتل الجماعي مصطلحًا قانونيًا بل مصطلحًا وصفيًا وتحليليًا يمكن أن يشمل سلوكًا يقع ضمن إحدى فئات الجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الحرب.
2: يتألف عنصر الفعل المادي في الإبادة الجماعية من نية خاصة لإهلاك، كليًا أو جزئيًا، جماعة وطنية أو إثنية أو دينية (على عكس عمليات القتل واسعة النطاق الأخرى التي لا ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية)، وهو ما يميزها عن كثير من الجرائم الأخرى الأقل في نطاق الجرائم ضد الإنسانية.
3: تكون الإبادة الجماعية ضد جماعة معينة ذات هوية موشتركة بموجب القانون، بينما قد يتعلق القتل الجماعي بالسكان المدنيين أو جماعات أخرى لأسباب عسكرية أو سياسية أو أمنية أو انتقامية أو أي أسباب أخرى لا ترتبط بالهوية المحمية.
خلاصة القول، يتميز مفهوم الإبادة الجماعية في القانون الجنائي الدولي عن غيره من أشكال العنف الجماعي بوجود عنصر جوهري واستثنائي يتمثل في القصد الخاص المتمثل في نية تدمير جماعة محمية قانونًا، كليًا أو جزئيًا، بسبب انتمائها القومي أو الإثني أو العرقي أو الديني. ومن ثم، فإن جوهر هذه الجريمة لا يكمن في حجم الأفعال المرتكبة أو عدد الضحايا فحسب، وإنما في الغاية المتمثلة في محو الجماعة المستهدفة باعتبارها جماعة قائمة بذاتها. أما المجازر أو القتل الجماعي، فهي تشير إلى أعمال قتل واسعة النطاق تستهدف أعدادًا كبيرة من الأشخاص، دون أن يشترط فيها توافر نية القضاء على جماعة محمية بسبب هويتها، إذ قد ترتكب بدوافع سياسية أو عسكرية أو أمنية أو غيرها. ولذلك، فإنها لا تُعد في ذاتها جريمة إبادة جماعية، وإنما قد تُكيَّف قانونًا، بحسب ظروف ارتكابها وأركانها، بوصفها جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية. وعليه، فإن المعيار الحاسم للتمييز بين الإبادة الجماعية والقتل الجماعي يتمثل في توافر القصد الخاص الموجه إلى تدمير جماعة محمية، وهو ما يمنح جريمة الإبادة الجماعية خصوصيتها القانونية ويميزها عن سائر صور العنف الجماعي.

قد يعجبك ايضا