حوار : عطا درغام
حين يمتزج انضباط غرف العمليات بدفء المشاعر الإنسانية، ويتسق علاج الأجساد مع إحياء الأرواح، يولد إبداع استثنائي لا يشبه سواه. ضيفتنا في هذا الحوار الصحفي المميز هي طبيبة عيون كرست وقتها لترميم الأبصار، وكاتبة بارعة نسجت بحرص بصيرتها عوالم روائية وفانتازية تلامس الوجدان وتوقظ الأسئلة.
من قسوة التشويق النفسي في “كالظل يلاحقني” و”وراء ستار الخوف”، إلى سحر الأسطورة وعبق “ألف ليلة وليلة” في “ذات الرداء الأسود”، وصولاً إلى رهافة الشعر الغنائي، تخوض الدكتورة فاتن عبد الحميد تجربة أدبية متفردة تعيد صياغة الواقع والخيال ببراعة وحرفية عالية.
في هذا اللقاء، نغوص في كواليس الصنعة الروائية، ونستكشف كيف تقاطع مشرط الجراح مع قلم الأديبة، لنقترب أكثر من فكر كاتبة تؤمن بأن الكتابة هي الحياة ذاتها.
بين دقة جراحة العيون التي لا تحتمل الخطأ، وحرية الكتابة الروائية المفتوحة على الخيال.. كيف يغذي مشرط الجراح قلم الأديبة في داخلك؟
الهواية تبدأ قبل المهنة ، أكتب قبل أن أكون طبيبة. لكن لا شك أن عملي بمهنة الطب أثر بشكل عام علي كل شخصيتي ،وجعلني أكثر عمقًا وأكثر إنسانية، وأكثر احتكاكًا بآلالام الناس .
يقول تشيكوف: “الطب زوجتي الشرعية والأدب عشيقتي”.. أين تقف الدكتورة فاتن عبد الحميد من هذه المقولة؟ وكيف تنظمين وقتك بين عيادتك وعالمك الروائي؟.
الكتابة بالنسبة لي حياة ، يمكن أن أترك مهنتي لأي ظروف فترة ما، لكن لا أستطيع التوقف عن الكتابة أكثر من أيام ، وليس من الضروري أن أكتب للنشر . أنا أكتب لأستمتع، وكتبت سنوات قبل أن أقرر الاحتراف . والأمر يسير بالنسبة لتنظيم الوقت ، دائما إذا قررت أن تفعل ستفعل .
طبيب العيون يرمم البصر ويعيد النور للأجساد، والروائي يعيد الرؤية والبصيرة للأرواح؛ هل تشعرين أن كتابة الرواية هي امتداد لرسالتك الطبية الإنسانية بوسائل أخرى؟
بالطبع ، حينما أكتب رواية اجتماعية مثلا ، أناقش قضايا إنسانية وقضايا الناس، وأحاول طرح المشكلات وعلاجها في بناء أدبي محكم و مثير.
كيف تؤثر دراستك وخلفيتك الطبية في تشريحك النفسي المعمق لأبطال رواياتك؟ وهل تجدين نفسك أحياناً تضعين شخصياتك تحت مجهر التشخيص الطبي قبل رسم مصائرهم؟
الطب عمومًا يعلم الصبر والمثابرة والتفكير الدقيق ، وكذلك كتابة رواية مليئة بشخصيات وأحداث متشابكة بكل تفاصيلها ، أمر يحتاج صبر كبير ووعي واجتهاد شهور، وقد تتجاوز مدة كتابة الرواية العام .

هل سبق وأن تسللت حالة إنسانية أو قصة حقيقية من داخل عيادتك الطبية لتصبح بطلة أو محوراً لإحدى رواياتك؟
الحقيقة لا ، لكن مر عليّ اسم أحد المرضي أثناء العمل ، وكان غريبًا وأعجبني جدًا ،واستعنت به في رواية “فانتازيا” .
روايتك “كالظل يلاحقني” تبدأ بجريمة قتل صادمة وانتحار مروع؛ لماذا اخترتِ هذه البداية البوليسية الحادة؟ وهل كان الهدف هو الإثارة أم استخدام الجريمة كمدخل لتشريح علاقات الأسرة والمجتمع؟
البداية المثيرة الصادمة تكون جاذبة للقارئ ، وكذلك كانت مدخلًا مهمًا؛ ليواصل القارئ معي الغوص في أعماق شخصيات لها أبعاد نفسية عميقة ومعقدة .
في “كالظل يلاحقني”، برز دور “مواقع التواصل الاجتماعي” كلاعب أساسي في تضخيم الصدمة وتوجيه الرأي العام.
كيف ترين تأثير هذه المساحات الرقمية على علاقاتنا الإنسانية المعاصرة؟
بالطبع وسائل التواصل الاجتماعي باتت جزءً من تفاصيل حياتنا اليومية، ولها تأثير قوي في كل جوانب الحياة .
شخصية “سارة” ومواجهتها لغياب والدها “عزت السويفي”، وعائلة القاتل المكلومة؛ كيف استطعتِ موازنة المشاعر وتقديم “الجانب الآخر للألم” بحيادية إنسانية عالية دون إدانة مطلقة؟
أرسم الشخصيات بدقة ، وأقدم جميع الشخصيات بكل ما فيها من خير وشر، وتجارب إنسانية سلبية وإيجابية ، وأترك الحكم للقارئ .
في رواية “وراء ستار الخوف”، يظهر الخوف كعائق يقيد حركة الإنسان؛ كيف يمكن للأدب أن يساهم في تعرية مخاوفنا ومساعدتنا على مواجهتها؟
“وراء ستار الخوف”، كانت رحلة مع “أسرة عبدالعزيز”، وتعرفنا علي مشاكل اجتماعية معقدة لا تخلو منها حياة أغلب العائلات ، ومن أصعب المهام التي تواجه الإنسان أن يتحدي خوفه ، وحينما يكون الخوف عدو ملتصق به ليلا نهارا لسنوات تصبح المهمة معقدة مهما كان سبب الخوف .
رواياتك الوجدانية والاجتماعية مثل “نغم بالألوان” و”بعشقك أحيا” تميل إلى الدفء؛ كيف تنجحين في التنقل بقلمك بين دفء الرومانسية وقسوة الجريمة والتشويق؟
أحب جدا الروايات التي تخاطب الوجدان والمشاعر ،وأحب أن أكتب في هذا الاتجاه ، ربما موهبتي في كتابة الشعر الغنائي تجعلني أكتب المشاعر الإنسانية بمرونة وبساطة .
في “ذات الرداء الأسود” قمتِ بتحول لافت نحو الفانتازيا ومحاكاة أجواء “ألف ليلة وليلة”.. ما الذي جذبكِ إلى هذا الفضاء العجائبي والابتعاد عن الواقعية المعاصرة؟
الكتابة في هذا المجال ممتعة للغاية ، أن تصنع عالم كامل بقوانين خاصة كلها من إبداعك أمر يمنح الكاتب الحرية المطلقة ،ويجعله يحلق في الاستمتاع إلى مالا نهاية . وللعلم أنا بدأت كتابة الرواية بالفانتازيا قبل الاجتماعي، ولكن تم نشر الروايات الاجتماعية قبل روايات الفانتازيا.
الصراع بين الإنس والجن، والملوك والسلاطين في روايتك الأسطورية؛ هل هو مجرد محاولة لإمتاع القارئ بالخيال، أم هي إسقاطات رمزية على صراعات نعيشها في عالمنا الواقعي؟
إمتاع للقارئ وإسقاطات علي عالمنا بالطبع ، ولابد أن يستفيد القارئ من قراءة الخيال ، وإلا لا معني لهذه الروايات ، نناقش الصراع علي السلطة والصراع بين الأشقاء، والمعركة الأبدية بين الخير والشر في أحداث خيالية شيقة و هذه الصراعات موجودة في الحقيقة .
كتابة الفانتازيا التاريخية تتطلب بناء عالم كامل بقوانينه الخاصة؛ ما هي الصعوبات التي واجهتكِ أثناء هندسة هذا العالم وصياغة دساتير ممالكه الافتراضية؟
أصعب ما أواجهه في الفانتازيا هي الأسماء سواء أسماء الشخصيات أو الممالك، وأنا لا أحب الأسماء الأجنبية إطلاقا، وأميل لأسماء عربية نادرة الاستخدام . وربما هذه الصعوبة يستغربها الجميع.
هل ترين أن القارئ العربي المعاصر، وخاصة فئة الشباب، بات أكثر ميلاً لأدب الفانتازيا والهروب من ضغوط الواقع، أم أنه يبحث فيه عن إجابات لأسئلة وجودية؟
أعتقد الفانتازيا حاليًا جاذبة لشريحة كبيرة من القراء ؛لأن أفكارها دائمًا خارج الصندوق وغير معتادة .
تتميز رواياتك بـ “السينوغرافيا البصرية”، حيث يشعر القارئ وكأنه يشاهد فيلماً سينمائياً؛ هل تكتبين وعينكِ على الشاشة والدراما التلفزيونية، أم أن هذا تدفق عفوي لأسلوبك؟
تدفق عفوي، ولكن لا أظن هناك كاتب لا يتمني أن تتحول رواياته إلى دراما ، لأن الدراما السينمائية أو التلفزيونية تزيد من انتشار كتاباته وتحافظ علي تداولها بين الأجيال القادمة . هناك البعض قد لايكون قرأ روايات كبار الكتاب وأعمدة الأدب العربي. لكن بالتأكيد الجميع شاهد أفلام سينمائية ومسلسلات مأخوذة عن هذه الروايات وتعلق بها وأحبها ؛لأن الشخصيات اكتسبت حياة علي الشاشة وارتبطت بأسماء نجوم محبوبين لدي الجمهور .

متى تقرر الدكتورة فاتن أن هذه الرواية قد اكتملت تماماً وصارت جاهزة لتسليمها لدار النشر؟ وهل تعيدين كتابة فصول كاملة بعد الانتهاء منها؟
أراجع العمل مرات متتالية،وحينما أقتنع بكل سطر وأكف عن التعديل،أعتبر الرواية جاهزة للنشر .
لا أعيد فصول كاملة ، لأنني لا أنهى فصل قبل أن أقتنع بكل تفاصيله وسطوره .
تعاملتِ مع دور نشر بارزة مثل “دار ريشة” و”دار فاصلة”؛ كيف تقيمين حركة النشر العربية الحالية؟ وما الذي يحتاجه الكاتب اليوم ليصل صوته إلى أوسع شريحة من القراء؟
الحمد لله تعاملت مع دور نشر مميزة
حركة النشر العربية الحالية ممتازة ،لكن أتمنى أن تهتم بالمؤلفين الجدد، وتفسح لهم مساحة للتعبير عن أنفسهم ،وتقبل العمل الجيد مهما كان . هناك دور نشر ترفض الرواية الاجتماعية بحجة أن ليس لها جمهوركبير ،وفي نفس الوقت تقبل رواية فانتازيا تفتقد أساسيات بناء الرواية والحبكة، لمجرد أنها رواية فاتنازيا .
هناك دور نشر ترفض شعر العامية وهنا أتساءل: أين يذهب كاتب الشعر الغنائي بأغنياته مع صعوبة اختراق الوسط الفني ..؟. حينما ينغلق مجال الأغنية علي عدد محدود من الشعراء لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة ،يكتبون لكل مطربي الوطن العربي من الخليج إلى المحيط ، الشاعر لا يجد متنفس له إلا أن يجمع أشعاره في ديوان. الكاتب يحتاج مجهود جبار ليصل للقراء ويحتاج إلي الاهتمام بالدعايا والسوشيال ميديا .
بين كتابة الرواية الطويلة والقصة القصيرة، أين تجد د. فاتن نفسها أكثر قدرة على التعبير وتكثيف الفكرة؟ مع صعود منصات القراءة الرقمية والتطبيقات الصوتية؛ كيف ترين مستقبل الكتاب الورقي؟
لا أجيد كتابة القصة القصيرة ، أكتفي بكتابة الرواية ،وكذلك الشعر الغنائي مثل” ديوان ورق الشجر”، وأستمتع بكتابة الأغاني. ولي بعض الأغنيات علي “اليوتيوب”،و”أنغامي” مثل:” فوق الحب” ،” دبل الغنا” .
أعتقد أن القراءة الرقمية فرضت نفسها بقوة ، وارتفعت أسهمها خاصة مع ارتفاع سعر الكتاب الورقي، لكن لن يختفي الكتاب الورقي ولازال له جمهوره ومحبيه.
وهل تتابعين تفاعل القراء ومراجعاتهم لأعمالك على منصات مثل “أبجد” و”غودريدز”؟
أتابع، طبعا باهتمام .
ختاماً.. ما هي المساحة أو الفكرة الروائية الجديدة التي تشغل تفكير الدكتورة فاتن عبد الحميد حالياً، وتتحضر لشق طريقها نحو الورق في الفترة القادمة؟
أعد رواية فانتازيا ، أظن أنها العمل القادم ولكن لم يحسم الأمر بعد .