التشدد والتعصب: جدلية الانغلاق وإقصاء الآخر

سمير السوره ميري

التشدد والتعصب من أكثر الظواهر الفكرية تأثيرًا في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، إذ يشتركان في إنتاج عقل منغلق يضيق بالاختلاف ويخشى التعدد، فالتشدد هو المبالغة في التمسك بفكرة أو رأي أو سلوك،
ورفض التيسر والمرونة، بما يفضي إلى الغلو والتضيق في الأحكام والمواقف، التشدد هو التعبير العملي عن الانغلاق الفكري، حيث يفقد العقل قدرته على الحوار والنقد الذاتي، ويتحول اليقين إلى جمود، والاختلاف إلى خصومة، فتولد نزعة التشدد بوصفها إحدى أخطر جدليات الانغلاق وإقصاء الآخر،
أما التعصب فهو الانحياز الأعمى لفكرة أو جماعة أو مذهب أو قومية أو شخص، مع رفض الآراء الأخرى أو الانتقاص منها، بعيدًا عن الموضوعية والاحتكام إلى الأدلة والحقائق.
يبدأ التشدد حين يتحول اليقين إلى جدار عازل، وتتحول الفكرة من وسيلة لفهم الواقع إلى قيدٍ يُكبَّل صاحبها، فالمتشدد لا يكتفي بالإيمان بما يراه حقًا، بل يسعى إلى فرضه معيارًا وحيدًا للحقيقة، فتضيق رؤيته عن استيعاب الاختلاف، ويغدو التنوع في نظره تهديدًا لا ثراءً، وهنا يتحول التشدد إلى صورة من صور الغلو التي تسوق صاحبها إلى مستنقع الإنغلاق الفكري، حيث يفقد القدرة على المراجعة والنقد الذاتي.
وليس كل متشدد متعصبًا،كما أن ليس كل متعصب متشددًا، غير أن اجتماعهما في شخص واحد يحول العقل إلى سجن مغلق لا يسمح إلا بصوت واحد وصورة واحدة للعالم، عندئذٍ يتراجع الفكر الحر، ويحل محله الانقياد الأعمى، فتُغلق نوافذ الحوار وتُصادر إمكانات التفاهم الإنساني، ولعل أعظم الكوارث الفكرية والإجتماعية لم تبدأ بالعنف بل بدأت بفكرة متشددة أغلقت باب النقاش، ثم تحولت إلى تعصب أقصى الآخر وجرده من حقه في الاختلاف والوجود.
وتتجلى خطورة التشدد والتعصب بصورة أشد في ميدان العقائد والهويات المغلقة، حيث يضع المتشدد نفسه موضع المشرَّع والقاضي في آن واحد، فيصبح هو الحاكم والمدَّعي ويمنح نفسه سلطة لإصدار الأحكام وتنفيذها، فيجلد الضحية بسوط أوهامه ويُلبس أحكامه ثوب القداسة، وهنا ينقلب العقل على وظيفته الأساسية فبدل أن يكون أداة للبحث عن الحقيقة يتحول إلى أداة لتبرير الأحكام المسبقة وإقصاء المخالفين.
ويرى كثير من الفلاسفة والمفكرين أن التشدد يبدأ حين تتحول الفكرة إلى يقين مغلق يرفض المراجعة، بينما يبدأ التعصب حين تتحول الهوية أو العقيدة أو الرأي إلى معيار للحكم على الناس، وفي هذا السياق يقول ابن رشد:”التعصب آفة تمنع الإنسان من طلب الحقيقة”، ويرى ابن خلدون أن”المغالاة في العصبية سبب للفرقة والفساد”، أما فولتير فيصف التعصب بقوله: “التعصب وحش يجرؤ على تسمية نفسه دينًا”، بينما يلفت برتراند راسل النظر إلى جذور المشكلة بقوله: “مشكلة العالم أن الحمقى واثقون دائمًا، بينما العقلاء تملؤهم الشكوك”، ويكتب علي الوردي:” التعصب يجعل الإنسان ينظر إلى الآخرين بعين واحدة، فلا يرى إلا عيوبهم ولا يرى عيوب نفسه”.
إنَّ التشدد والتعصب ينبعان من وهم واحد هو ادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، ومن هذا الوهم يولد إقصاء التفكير وإغلاق الوعي، ومصادرة حق السؤال، فالعقل الحر لا يخشى النقد، ولا يرتعب من المراجعة، لأن الحقيقة لا تنموا إلا في فضاء الحوار والتجربة والتفكير المتجدد، أما الارتهان لفكرة جامدة واعتبارها الحقيقية المطلقة، فليس إلا تعبيرًا عن خوف دفين من الشك، وعن إفتقار إلى الثقة بقدرة العقل على التميز والإختيار.
إنَّ المجتمعات التي تؤسس علاقاتها على احترام المتبادل والاعتراف بحق الاختلاف تمتلك فرصة أكبر لبناء مستقبل إنساني مشترك، بينما المجتمع التي تقودها ثقافة التشدد والتعصب تُقاد إلى مجاهل الانغلاق والتخلف والصراع، ويدب الفساد في أوصاله، وينتشر الظلم في أرجائه، وتغيب العدالة عن ساحاته، وينتصر الهوى على الحكمة، والعصبية على الحقيقة والقوة على الحق، فالحقيقة ليست ملكًا لأحد والعقل لا يزدهر إلا في مناخ الحرية، والإنسان لا يكتمل إلا حين يعترف للآخر بحقه في أن يكون مختلفًا.

قد يعجبك ايضا