مكافحة الفساد … ٲم ٳعادة هندسة السلطة ؟

آشتي محمد
كاتبة ومحللة سياسية

في الأنظمة السياسية الهشة، لا تكون حملات مكافحة الفساد مجرد إجراءات قانونية، بل تتحول إلى أحداث سياسية تعيد تشكيل مراكز النفوذ وتؤثر في مستقبل السلطة. ومن هذا المنطلق، فإن حملة الاعتقالات الواسعة التي استهدفت عشرات المسؤولين والنواب بتهم فساد مالي لا يمكن قراءتها بوصفها قضية قضائية فحسب، بل باعتبارها نقطة تحول قد تفتح مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والقوى السياسية.
إذا كانت هذه الإجراءات تستند إلى ملفات قانونية مكتملة وأدلة راسخة، فإنها تمثل واحدة من أكثر الضربات جرأة ضد منظومة الفساد التي تراكمت على مدى سنوات. أما إذا اقتصرت على استهداف أطراف دون أخرى، فإنها ستواجه سريعاً اتهامات بالانتقائية وتصفية الحسابات السياسية، وهو ما قد يفقدها جزءاً كبيراً من مشروعيتها.
سياسياً، يبدو أن رئيس الوزراء السيد علي الزيدي يسعى إلى إرسال رسائل متعددة في توقيت حساس. فالرسالة الأولى موجهة إلى الداخل، ومفادها أن الحكومة تمتلك الإرادة والقدرة على كسر الخطوط الحمراء التي كانت تحيط بالطبقة السياسية. أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى القوى المتنفذة، بأن مرحلة الحصانات غير المعلنة قد تكون في طريقها إلى الانتهاء، وأن معادلات النفوذ التقليدية لم تعد بمنأى عن المساءلة.
لكن السؤال الأهم ليس في عدد أو حجم مذكرات الاعتقال، بل في قدرة الدولة على الاستمرار في هذا المسار دون الخضوع لضغوط التسويات السياسية. فالتجربة العراقية أثبتت أن العديد من ملفات الفساد بدأت بقوة، لكنها انتهت إلى المساومات أو التسويات التي أضعفت ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.
كما أن هذه الحملة قد تمثل محاولة لإعادة ترتيب المشهد السياسي قبل الاستحقاقات المقبلة، عبر تقليص نفوذ بعض القوى وتعزيز موقع السلطة التنفيذية في مواجهة الأحزاب التقليدية. وهذا لا ينفي الجانب القانوني للحملة، لكنه يؤكد أن السياسة والقضاء في مثل هذه الملفات يتقاطعان بصورة يصعب الفصل بينهما.
في المقابل، يترقب الشارع العراقي النتائج الفعلية بعيداً عن العناوين الإعلامية. فالمواطن لم يعد يبحث عن بيانات أو مؤتمرات صحفية، بل عن استرداد الأموال المنهوبة، وإحالة المتورطين إلى القضاء، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب التي رسختها سنوات طويلة من المحاصصة .
إن نجاح هذه الحملة لن يقاس بعدد أوامر القبض الصادرة، وإنما بمدى استقلال القضاء، وشمول الإجراءات لجميع المتورطين بلا استثناء، واستعادة المال العام، وترسيخ مبدأ أن (( المنصب السياسي )) لا يمنح حصانة دائمة أمام القانون.

وفي النهاية، قد يكون ما يجري اليوم بالفعل “زلزالاً سياسياً”، لكنه لن يتحول إلى لحظة تاريخية إلا إذا أسفر عن بناء دولة المؤسسات، لا مجرد إعادة توزيع النفوذ بين مراكز القوة. فالعراق لا يحتاج إلى تغيير أسماء المتهمين، بل إلى تغيير القواعد التي سمحت بإنتاج الفساد لعقود. وحدها العدالة المتساوية هي القادرة على تحويل هذا الزلزال من حدث عابر إلى بداية إصلاح حقيقي.

قد يعجبك ايضا