التراث المسروق… عندما تتحول الحضارة العربية إلى معروضات بعيدة عن أصحابها

م.م زيد محمد كاظم

يقف الزائر في أحد المتاحف العالمية مبهورًا بتمثال آشوري ضخم أو بلوحٍ مسماري أو بمخطوطة عربية نادرة، يقرأ اللوحة التعريفية المعلقة بجانبها، فيعرف تاريخ القطعة وعمرها، لكنه لا يعرف دائمًا كيف غادرت أرضها الأولى، ولا الظروف التي أوصلتها إلى تلك القاعة البعيدة. هناك تبدأ الحكاية التي لا تتحدث عن قطعة أثرية فحسب، بل عن ذاكرة أمة، وعن حضارة ما زالت تبحث عن أجزاء من تاريخها المنتشر في متاحف العالم. لم يعد التراث مجرد حجارة قديمة أو أوانٍ فخارية أو مخطوطات صفراء، بل أصبح جزءًا من الهوية الوطنية والثقافية للشعوب. فكل قطعة أثرية تحكي قصة حضارة، وكل نقش على حجر يوثق مرحلة من تاريخ الإنسان، وكل مخطوطة تحفظ علمًا أو أدبًا أو فلسفة أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية. ولهذا فإن فقدان التراث لا يعني خسارة مقتنيات مادية فقط، بل يعني فقدان صفحات من الذاكرة الجماعية. والعراق، الذي يُعرف بأنه مهد الحضارات، كان من أكثر البلدان التي تعرضت آثاره للنهب والتهريب، خاصة بعد عام 2003. فقد تعرض المتحف الوطني العراقي في بغداد لعمليات نهب واسعة، واختفت آلاف القطع الأثرية التي تعود إلى الحضارات السومرية والبابلية والآشورية. ورغم نجاح السلطات العراقية، بالتعاون مع عدد من الدول والمنظمات الدولية، في استعادة آلاف القطع خلال السنوات الأخيرة، فإن عددًا كبيرًا منها ما زال موزعًا بين الأسواق السوداء والمجموعات الخاصة وبعض المؤسسات الثقافية خارج البلاد. ولا يقف الأمر عند العراق. ففي مصر، ما زال حجر رشيد، الذي كان مفتاح فك رموز اللغة الهيروغليفية، معروضًا في المتحف البريطاني منذ أوائل القرن التاسع عشر، وتطالب مصر منذ سنوات باستعادته بوصفه جزءًا من تراثها الوطني. وفي القدس، لا تزال هناك مخطوطات ووثائق تاريخية خرجت في ظروف سياسية معقدة، بينما تحتفظ مكتبات ومتاحف أوروبية وأمريكية بآلاف المخطوطات العربية والإسلامية التي وصلت إليها خلال حقب الاستعمار أو عبر تجار الآثار. وتبرز أيضًا قضية رأس الثور المجنح (اللاماسو) والقطع الآشورية التي نُقلت من مدينة نمرود وخورسباد خلال القرن التاسع عشر إلى متاحف في لندن وباريس، حيث أصبحت من أشهر معروضاتها. وبينما يرى البعض أن تلك المتاحف أسهمت في الحفاظ على هذه الآثار، يرى آخرون أن مكانها الطبيعي هو العراق، حيث وُلدت تلك الحضارة، وحيث يستطيع الزائر أن يقرأ تاريخها في سياقها الحقيقي، لا داخل قاعة تبعد آلاف الكيلومترات عن موطنها. ولا يقتصر الأمر على الآثار، بل يمتد إلى المخطوطات والعلوم العربية. فكثير من المخطوطات النادرة في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة، التي كتبها علماء مثل ابن الهيثم والرازي وابن سينا وغيرهم، أصبحت محفوظة في مكتبات أوروبية كبرى. صحيح أن كثيرًا منها حُفظ ورُمم وأتيح للباحثين، لكن ذلك لا يلغي الجدل المستمر حول كيفية خروج عدد كبير من هذه الكنوز من بلدانها الأصلية. غير أن القضية لا تتعلق فقط بالماضي، بل بالحاضر أيضًا. فشبكات تهريب الآثار ما زالت تنشط في مناطق النزاعات، مستغلة ضعف الرقابة الأمنية، لتبيع القطع الأثرية في المزادات والأسواق العالمية بأسعار خيالية. وهكذا يتحول تاريخ الشعوب إلى سلعة، وتتحول ذاكرة الحضارات إلى استثمار يدر الأرباح على تجار لا يعرفون قيمة ما يبيعون. المفارقة أن كثيرًا من أبناء هذه الحضارات لا تتاح لهم فرصة مشاهدة تراثهم إلا إذا سافروا إلى الخارج. فتماثيل آشور وبابل التي صنعت في بلاد الرافدين، يشاهدها ملايين الزوار في لندن وباريس أكثر مما يشاهدها أبناء العراق. والمخطوطات العربية التي كُتبت في بغداد ودمشق والقاهرة، أصبحت مقصدًا للباحثين في مكتبات غربية، بينما يصعب الوصول إلى بعضها في بلدانها الأصلية. ولا يمكن إنكار أن بعض المتاحف العالمية قامت بدور مهم في حفظ كثير من القطع الأثرية وصيانتها، خاصة في فترات شهدت فيها المنطقة حروبًا واضطرابات. لكن هذا لا يمنع من استمرار النقاش الأخلاقي والقانوني حول حق الشعوب في استعادة تراثها، ولا سيما إذا كانت تلك القطع قد خرجت بطرق غير مشروعة أو في ظل ظروف استعمارية. إن الدفاع عن التراث لا يكون بالشعارات، بل بالعمل. يبدأ بحماية المواقع الأثرية، ومنع التنقيب غير القانوني، وتطوير المتاحف الوطنية، ودعم الباحثين، وتوثيق المقتنيات، وتعزيز التعاون الدولي لاستعادة الآثار المهربة. كما يبدأ أيضًا بتعريف الأجيال الجديدة بقيمة حضاراتها، لأن الإنسان الذي لا يعرف تاريخه، قد لا يدرك قيمة ما يفقده. التراث ليس ملكًا لجيل واحد، ولا لدولة واحدة فقط، بل هو جزء من الذاكرة الإنسانية. غير أن هذه الحقيقة لا تبرر أن تبقى آثار الشعوب بعيدة عن أصحابها إلى الأبد. فالحضارات التي أنارت العالم تستحق أن تُروى قصتها من أرضها أولًا، وأن ترى الأجيال الجديدة شواهد تاريخها في أوطانها، لا أن تقرأ عنها فقط في كتب التاريخ أو تشاهدها خلف زجاج متحف في مدينة بعيدة.
إن استعادة التراث ليست معركة ضد الشرق أو الغرب، وإنما هي معركة من أجل العدالة الثقافية، ومن أجل الاعتراف بأن هوية الشعوب لا تُقاس بما تملكه من ثروات فحسب، بل بما تحتفظ به من ذاكرة، وأن الحضارة التي تحفظ ماضيها، تكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.

قد يعجبك ايضا