د.خليل مصطفى عثمان
يكاد الوجدان السياسي العراقي والعربي يجمع على أن يوم 14 تموز 1958 هو الانفجار الكبير الذي غير وجه الشرق الأوسط. لكن التدقيق في ثنايا الوثائق والرسائل المتبادلة بين “الضباط الأحرار” يكشف عن حقيقة مغيبة كلياً، وهي أن “الجمهورية العراقية” ولدت فعلياً في تموز 1957، وليس في عام 1958. لقد كان ذلك اليوم هو “الانقلاب الصامت” أو “البروفة الذهنية” التي لو نجحت عسكرياً في وقتها، لربما تغير مجرى التاريخ المعاصر بشكل لا يمكن التنبؤ به، ولوفرت على العراق الكثير من بحور الدماء.
تكمن الفكرة المبتكرة هنا في تفكيك “صيف 1957″؛ ففي ذلك الصيف، وتحديداً في تموز، كانت اللجنة العليا للضباط الأحرار قد استكملت هيكليتها الفكرية والتنظيمية، ووضعت أول خطة تفصيلية للتحرك العسكري للإطاحة بالنظام الملكي، مستغلةً التوتر الإقليمي المتصاعد بعد حرب السويس وحالة الاحتقان الشعبي ضد “حلف بغداد”. لكن التحرك أُرجئ في اللحظات الأخيرة لأسباب لوجستية وتنظيمية تتعلق بحركة القطاعات العسكرية وصراع الأجنحة داخل التنظيم حول “هوية اليوم التالي”.
هذا التأجيل الذي دام عاماً كاملاً (من تموز 1957 إلى تموز 1958) لم يكن مجرد فترة انتظار، بل كان المساحة الزمنية التي شوهت الجسد الجنيني للجمهورية القادمة. في عام 1957، كان التنظيم يضم طيفاً أوسع من الضباط ذوي الميول الليبرالية والدستورية والمهنية، وكان النقاش يدور حول “إصلاح جذري للملكية” أو “انتقال دستوري هادئ” يشبه التجربة السودانية أو الهندية، بعيداً عن الراديكالية الدموية.
لكن عام الانتظار الثقيل (بين 1957 و1958) شهد دخول عوامل ملوثة للمشروع؛ حيث تغلغلت الاستقطابات الأيديولوجية الحادة (القومية والشيوعية) إلى صفوف الجيش، وتصاعدت حدة الأحقاد الشخصية، وتحول الفكر الانقلابي من “الإنقاذ الوطني الدستوري” إلى “الحسم الثوري العنيف”. لقد كان عاماً كافياً ليتخلى فيه قادة الحركة عن لغة القانون والدستور التي ميزت أدبياتهم في صيف 1957، ويستبدلوها بـ”منطق السحل والدم” الذي ساد في صبيحة 14 تموز 1958.
لو قدر لـ “تموز 1957” أن يكتمل كإنقلاب بيضوي أو أبيض، لربما شهد العراق انتقالاً سلساً للسلطة يحافظ على مؤسسات الدولة المدنية، ودون الشروخ الاجتماعية العميقة التي تسببت بها مجازر قصر الرحاب وسحل الرموز السياسية. كان “تموز 1957” مشروع دولة قانون أجهضه الخوف والتأجيل، بينما كان “تموز 1958” مشروع ثورة جرفت في طريقها الأخضر واليابس.
إن إعادة قراءة تاريخ العراق من بوابة “ما لم يحدث في 1957” تفتح أعيننا على حقيقة مريرة: إن تأجيل الإصلاح، وتردد النخب في لحظات الحسم، هو الذي يفتح الباب دائماً للحلول الأكثر دموية وراديكالية. لقد ضيع العراق في تموز 1957 فرصة “الجمهورية العاقلة”، ليصحو في تموز 1958 على “الجمهورية الغاضبة” التي ما زال يدفع ثمن انفعالاتها حتى اليوم.