الفاسدون في قفص الاتهام.. ومحرم يذكّر بثورة الحسين”

عرفان الداوودي

لم يكن أحد يتوقع أن يتحول محرم هذا العام في العديد من المناطق إلى مناسبة يختلط فيها صوت العزاء بصوت الغضب الشعبي، وأن تمتزج ذكرى ثورة الإمام الحسين عليه السلام بشعارات تندد بالفساد واللصوص الذين أوصلوا البلاد إلى هذا المستوى من الانهيار.

فما يحدث اليوم ليس أمراً عابراً، بل نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من الفشل والفساد وسوء الإدارة واستغلال الدين والسياسة لتحقيق المصالح الشخصية والحزبية على حساب الشعب.

لقد خرج الإمام الحسين عليه السلام ضد الظلم والانحراف والفساد، ورفض أن يمنح الشرعية لحكم فقد العدالة. وبعد أكثر من ألف وأربعمائة عام، يجد المواطن نفسه أمام مشهد يطرح سؤالاً مؤلماً: كيف تحولت شعارات الإصلاح إلى وسيلة للوصول إلى السلطة؟ وكيف تحولت وعود خدمة الناس إلى صفقات ومنافع ومشاريع متلكئة وثروات هائلة ظهرت بين ليلة وضحاها؟

إن العراقي البسيط لم يعد بحاجة إلى تقارير أو لجان تحقيق كي يعرف حجم الكارثة. فهو يراها يومياً في الطرق المتهالكة، وفي المستشفيات المزدحمة، وفي البطالة المتفشية، وفي الخدمات المنهارة، وفي المشاريع التي تُعلن عشرات المرات ولا ترى النور. ويراها أيضاً في المقاطع المصورة والوثائق والتسريبات التي تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، والتي كشفت للرأي العام صوراً صادمة من الفساد المالي والإداري والأخلاقي.

لقد وصل الاحتقان الشعبي إلى مرحلة خطيرة، لأن المواطن يرى الفاسدين أحراراً بينما يُطلب منه الصبر كل يوم. ويرى الأموال العامة تُهدر، بينما يزداد الفقر في الشوارع. ويرى المسؤولين يتبادلون الاتهامات، لكن أحداً لا يُحاسب حساباً حقيقياً يتناسب مع حجم الخراب الذي أصاب البلاد.

ولهذا لم يكن غريباً أن ترتفع الأصوات في بعض المناطق خلال محرم مطالبة بالإصلاح والمحاسبة، لأن الناس باتت تربط بين مبادئ الحسين وبين ضرورة الوقوف بوجه الفساد والظلم. فالحسين لم يخرج من أجل المناصب، ولم يضحِ بنفسه من أجل الامتيازات، بل خرج دفاعاً عن الحق والكرامة والعدالة.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود الفساد فقط، بل في محاولات تبريره أو التستر عليه أو حمايته. فحين يشعر المواطن أن الفاسد أقوى من القانون، وأن صاحب النفوذ فوق المحاسبة، تتحول الثقة بالدولة إلى يأس، ويتحول الصبر إلى غضب.

إن أخطر ما يواجه أي دولة ليس الاحتجاجات ولا الهتافات، بل فقدان ثقة الناس بمؤسساتها. وعندما يشعر المواطن بأن صوته لا يُسمع، وأن حقوقه لا تُصان، وأن ثروات بلده تُنهب أمام عينيه، فإن الغضب يصبح أمراً متوقعاً لا مفاجئاً.

لقد أراد الفاسدون من الشعارات أن تكون درعاً يحميهم، لكن الواقع كشف عكس ذلك. فكلما اتسعت الفجوة بين الأقوال والأفعال، ازدادت نقمة الشارع. وكلما ارتفعت نسب الفساد، ارتفعت معها أصوات المطالبة بالمحاسبة.

إن الرسالة التي يوجهها الشارع اليوم واضحة: لا حصانة لفاسد، ولا قدسية لمن يسرق المال العام، ولا احترام لمن يتاجر بآلام الناس ومعاناتهم. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، بل بالنزاهة والعدالة والخدمة الحقيقية للمواطن.

ومهما حاول البعض الهروب من الحقيقة، فإن الحقيقة تبقى واحدة: الشعوب قد تصبر سنوات طويلة، لكنها لا تنسى من تسبب بمعاناتها. والتاريخ لا يرحم الذين استغلوا ثقة الناس ثم خذلوهم.

ومحرم الذي يحيي ذكرى ثورة الحسين سيبقى دائماً تذكيراً بأن الظلم لا يدوم، وأن الفساد مهما امتلك من نفوذ وسلطة، سيبقى في مواجهة حكم الشعب وحكم التاريخ.

قد يعجبك ايضا