ماردين… حين يحاول التاريخ أن يتكلم، ويصرّ التعصب على إسكاته بين إنكار الآخر والاعتراف المتبادل

* ماهين شيخاني.

ليست المأساة في أن تختلف الشعوب حول قراءة التاريخ؛ فذلك أمر طبيعي في كل بقاع العالم. المأساة الحقيقية تبدأ حين يتحول التاريخ إلى أداة للإلغاء، وحين يصبح الاعتراف بوجود الآخر تنازلاً، لا فضيلة علمية وأخلاقية.
هذا ما يحدث أحياناً في النقاش الدائر حول مدينة ماردين. فمن المؤسف أن يصرّ بعض الكتّاب أو الناشطين على تقديم المدينة وكأنها تنتمي إلى قومية واحدة، متجاهلين قروناً من التعدد الذي صنع شخصيتها الفريدة. والأكثر غرابة أن بعض الأصوات تنكر الوجود التاريخي للكورد في ماردين، رغم أن هذا الوجود موثق في المصادر العثمانية والأوروبية والمحلية، تماماً كما أن الوجود السرياني فيها حقيقة لا يمكن لأي باحث نزيه أن ينكرها.
إن الدفاع عن التاريخ لا يكون بطمس تاريخ الآخرين.
ماردين… مدينة لم يخلقها شعب واحد
يصعب العثور في الشرق الأوسط على مدينة تشبه ماردين في تنوعها الحضاري. فمنذ آلاف السنين تعاقبت عليها حضارات وإمبراطوريات متعددة، وعاشت فيها جماعات دينية وقومية مختلفة، لكل منها بصمتها الخاصة.
كانت الأديرة السريانية منارات للعلم واللغة واللاهوت، وكانت الكنائس شاهدة على ازدهار المسيحية المشرقية. وفي الوقت نفسه، استقرت القبائل والعشائر الكوردية في المدينة وأريافها منذ قرون، وأصبحت جزءاً أصيلاً من بنيتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما استقر فيها العرب والتركمان والأرمن وغيرهم.
هذه ليست رواية قومية، بل حقيقة تاريخية تؤكدها سجلات الدولة العثمانية، وكتابات الرحالة، وأبحاث مؤرخين معاصرين.
لماذا يظهر الإنكار؟
السؤال الذي يطرح نفسه ليس: هل عاش الكورد في ماردين؟
فهذا سؤال حسمه التاريخ.
السؤال الحقيقي هو: لماذا ينكر بعضهم هذه الحقيقة؟
الجواب يرتبط غالباً بثلاثة عوامل رئيسية.
أولها، الذاكرة التاريخية المثقلة بالجراح، إذ ما تزال أحداث أوائل القرن العشرين تلقي بظلالها على العلاقة بين بعض النخب السريانية والكوردية، فيختلط الألم المشروع بقراءة التاريخ.
وثانيها، تحويل الهوية إلى منافسة صفرية، وكأن الاعتراف بتاريخ الكورد ينتقص من التاريخ السرياني، أو العكس، بينما الحقيقة أن التاريخ لا يعمل بهذه الطريقة.
أما العامل الثالث، فهو توظيف التاريخ في الصراعات السياسية المعاصرة، حيث تصبح الرواية التاريخية أداة لإثبات حقوق سياسية، فيُختزل الماضي لخدمة الحاضر.
لكن التاريخ لا يكتب بالرغبات، بل بالوثائق.
الكورد… ليسوا ضيوفاً على ماردين
إن تصوير الكورد وكأنهم دخلاء على ماردين لا يصمد أمام البحث العلمي.
فالدراسات التاريخية تشير إلى وجود العشائر الكوردية في المنطقة منذ قرون طويلة، كما أن كثيراً من إمارات المنطقة كانت ذات قيادة كوردية، وكان للكورد حضور بارز في الإدارة والقضاء والإفتاء والزراعة والتجارة.
كما أن الرحالة والمستشرقين الذين زاروا المنطقة خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وصفوا الريف المحيط بماردين بأنه يغلب عليه الوجود الكوردي، مع وجود واضح للسريان والعرب وغيرهم داخل المدينة وفي محيطها.
إن إنكار هذا الوجود لا يخدم الحقيقة، بل يضعف مصداقية صاحبه.
وفي المقابل… إنكار التاريخ السرياني ظلم آخر
إذا كان إنكار الوجود الكوردي خطأً، فإن إنكار الإرث السرياني لا يقل خطأً.
فالسريان ليسوا مجرد جماعة دينية مرت بماردين، بل هم أحد أهم صناع حضارتها. أديرتهم، وكنائسهم، ولغتهم، ومدارسهم، ومخطوطاتهم، كلها تشكل جزءاً لا يتجزأ من شخصية المدينة.
ولهذا فإن الكوردي الذي يحترم الحقيقة لا يخشى الاعتراف بهذا الإرث، لأنه يعلم أن التاريخ لا يُقاس بمنطق الغلبة، بل بمنطق الإسهام الحضاري.
إن الاعتراف بتاريخ السريان لا ينتقص من تاريخ الكورد، كما أن الاعتراف بتاريخ الكورد لا ينتقص من تاريخ السريان.
المشكلة ليست في التاريخ… بل في قراءته
لقد علمتنا التجارب أن الشعوب التي تدخل في سباق لإلغاء ذاكرة بعضها بعضاً لا تنتصر، بل تخسر جميعاً.
فالمدينة التي عاش فيها الكوردي والسرياني والعربي والأرمني والتركي لا يمكن اختزالها في لون واحد.
والباحث الحقيقي لا يسأل: كيف أجعل التاريخ يخدم قومي؟
بل يسأل: كيف أخدم الحقيقة؟
فالحقيقة ليست ملكاً لأحد.
خاتمة
إن ماردين أكبر من أن تُختزل في قومية واحدة، وأعرق من أن تُختصر في رواية واحدة.
هي مدينة حملت أجراس الكنائس إلى جانب أصوات المآذن، وتجاورت فيها اللغة السريانية مع الكوردية والعربية والتركية، وتعاقبت عليها أجيال صنعت تاريخاً مشتركاً، لا تاريخاً متنازعاً عليه.
ولعل الطريق إلى المصالحة يبدأ من هنا: أن يعترف كل شعب بتاريخ الآخر كما يعترف بتاريخ نفسه.

فالتاريخ ليس ملك المنتصر، ولا ميراث قومية واحدة.
إنه ذاكرة الجميع.
ومن يحاول حذف شعب من ذاكرة مدينة، لا يغيّر التاريخ، بل يكشف خوفه منه.
أما ماردين، فستبقى مدينةً تتسع للجميع… لأن الحجارة لا تكذب، والذاكرة الحقيقية لا تُمحى.

قد يعجبك ايضا