حصر السلاح أم حصر الدولة؟ الاختبار الاصعب لمستقبل العراق

مظفر مزوري

يواجه العراق اليوم واحدة من أكثر اللحظات حساسية منذ عام 2003. فالنقاش الدائر في بغداد لم يعد يتعلق فقط بشكل الحكومة الجديدة أو أسماء الوزراء، بل أصبح مرتبطاً بسؤال أعمق يتعلق بقدرة الدولة على فرض سلطتها على كامل أراضيها.

الحكومة الجديدة برئاسة علي فالح الزيدي وضعت ملف حصر السلاح بيد الدولة في مقدمة أولوياتها، لكن هذا الملف لا يشبه الملفات الأخرى التي اعتادت الحكومات العراقية التعامل معها. فالقضية لا تتعلق بمجموعات مسلحة معزولة عن المشهد السياسي، بل بقوى تمتلك حضوراً سياسياً وبرلمانياً واقتصادياً، وتتمتع بنفوذ متشعب داخل مؤسسات الدولة نفسها.

وفي رأيي، فإن نجاح الحكومة أو فشلها في هذا الملف لن ينعكس على الجانب الأمني فقط، بل سيترك أثراً مباشراً على الاقتصاد العراقي وعلاقات البلاد الإقليمية، وربما على شكل النظام السياسي خلال السنوات المقبلة.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العراق. فالمواطن الذي يواجه مشكلات يومية تتعلق بالكهرباء وفرص العمل والخدمات الأساسية لم يعد ينظر إلى قضية السلاح خارج إطار تأثيرها المباشر على حياته المعيشية. ولهذا السبب بدأت العلاقة بين الفساد والنفوذ المسلح تتصدر النقاش الشعبي بصورة أوضح من السابق.

مع تسلم الحكومة الجديدة لمهامها ببرنامج يضع “حصر السلاح” في مقدمة أولوياته، شهدت الساحة الشيعية المسلحة تطورات لافتة، تمثلت في انقسام الفصائل إلى معسكرين رئيسيين؛ وهو انقسام يراه مراقبون تكتيكياً ومناورة لامتصاص الضغوط، بينما يراه آخرون بداية لتصدع حقيقي.

بعض الفصائل اختارت التعاطي بمرونة مع مطالب الحكومة: تمثل هذا الاتجاه في إعلان فصائل بارزة مثل “سرايا السلام” (التابعة للتيار الوطني الشيعي بزعامة مقتدى الصدر)، ولحقتها “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي، و”كتائب الإمام علي”، فك ارتباطها المسلح بـ”الحشد الشعبي” وتسليم مقراتها وأسلحتها للقائد العام للقوات المسلحة. هذا التحرك يهدف إلى إحراج الفصائل الأخرى، وإظهار التزامها بمشروع الدولة، مع الاحتفاظ بالنفوذ السياسي والانتخابي.

في المقابل، تمسكت فصائل أخرى بموقفها الرافض لأي حديث عن تسليم السلاح: فقد أعلنت فصائل تشكل النواة الصلبة لـ”المقاومة الإسلامية في العراق”، مثل “كتائب حزب الله” و”حركة النجباء”، رفضها القاطع لتسليم السلاح. واعتبرت هذه الفصائل أن سلاحها “مسألة عقائدية وثابتة ومقدسة” مرتبطة بمواجهة الاحتلال والنفوذ الأمريكي في المنطقة، وهي ترفض إخضاع مخازنها أو قياداتها لرقابة الحكومة الرسمية.

هنا تظهر المشكلة الحقيقية التي تواجه الحكومة؛ فالحكومة الجديدة لا تواجه تنظيماً خارجاً عن القانون بالمعنى التقليدي، بل تواجه قوى منخرطة في صلب العملية السياسية، ولديها أجنحة برلمانية، ومستفيدة من موازنات الدولة المالية عبر هيئة الحشد الشعبي، مما يجعل خيار “المواجهة العسكرية المباشرة” انتحاراً سياسياً قد يفجر حرباً أهلية شيعية-شيعية.

عند المقارنة بالنموذج الإيراني، نجد أن طهران نجحت بعد عام 1979 في مأسسة العمل الفصائلي من خلال خلق “الحرس الثوري” كقوة موازية للجيش التقليدي، يمتلك عقيدة أيديولوجية مطلقة، وبمرور العقود تحول الحرس الثوري إلى الإمبراطور الاقتصادي والسياسي والأمني الأول في إيران، ممسكاً بقرارات السلم والحرب، وربما يكون أكثر ما يثير القلق هنا أن بعض ملامح التجربة الإيرانية بدأت تظهر بصورة أو بأخرى داخل المشهد العراقي عبر آليتين:

الاولى هي المأسسة والشرعنة: الاستفادة من الغطاء القانوني والمالي الذي توفره الدولة (مخصصات الحشد الشعبي في الموازنة العامة) لبناء ترسانة عسكرية مستقلة تضم مسيرات وصواريخ باليستية متطورة، دون الخضوع الفعلي لغرفة العمليات المشتركة للقوات المسلحة.

أما الالية الثانية فهي استقلالية قرار السلم والحرب: إدخال العراق في مواجهات إقليمية واستهداف قواعد دولية ودول جوار دون تنسيق أو إذن من الحكومة، مما يجعل الدولة العراقية مجرد “واجهة دبلوماسية” لتبرير وتغطية أفعال قوى غير منضبطة.

إذا استمر هذا المسار، فإن العراق لن يكتفي بكونه ساحة لتصفية الحسابات، بل سيتحول رسمياً إلى “دولة فصائلية”؛ حيث تصبح المؤسسات الرسمية (البرلمان، القضاء، الوزارات) مجرد هياكل شكلية تدار من خلف الستار بواسطة قادة الفصائل والمكاتب الاقتصادية التابعة لها.

لم يعد خطر السلاح المنفلت محصوراً بتهديد السلم الأهلي الداخلي، بل تحول إلى مصدر خطر متزايد تهدد الأمن الإقليمي برمته. فقيام فصائل عراقية مسلحّة، تحت لافتة “المقاومة الإسلامية”، باستهداف عدة دول عربية في الآونة الأخيرة بالمسيرات والصواريخ، يثير مخاوف جدية بشأن موقع العراق وعلاقاته الإقليمية بالنظر للأبعاد التالية:

تدمير العلاقات العربية – العراقية بعد سنوات من الجهود الدبلوماسية المضنية لإعادة العراق إلى حضنه العربي، وفتح الآفاق للتبادل التجاري والاستثماري مع دول الخليج والأردن ومصر، تأتي هذه الهجمات لتعصف بـ”جسور الثقة”. هذه الاعتداءات تظهر الدولة العراقية بمظهر العاجز عن ضبط أراضيه، أو الشريك الضمني في استهداف أشقائه.

تحويل العراق إلى منصة بالوكالة لانطلاق الطائرات المسيرة باتجاه عواصم ومدن عربية يؤكد أن هذه الفصائل تقدم الأجندة الإقليمية العابرة للحدود (وتحديداً الإيرانية) على مصلحة العراق الوطنية. وقد يدفع بعض الأطراف الإقليمية والدولية إلى النظر إلى العراق بوصفه عاجزاً عن ضبط أراضيه أو “البيئات المصدرة للإرهاب”، ويسحب منه صفة “الوسيط الإقليمي” التي حاول لعبها في السنوات الماضية.

مخاطر الرد العسكري المباشر، فاستمرار هذه الهجمات يمنح الدول المتضررة أو حلفائها الدوليين الحق القانوني والعسكري في الرد المباشر على مصادر النيران داخل الأراضي العراقية. هذا يعني تحويل المدن والقواعد العراقية إلى ساحة حرب مفتوحة واستباحة كاملة للسيادة الوطنية، وهو ما سينعكس تدميراً للبنى التحتية المتداعية أصلاً.

يشعر الشارع العراقي بمرارة شديدة وهو يرى مليارات الدولارات تُستقطع من الموازنة العامة تحت بند “تمويل الحشد والتسليح” لشراء مسيرات وصواريخ تُطلق خارج الحدود، في وقت تعاني فيه المدن العراقية من انهيار تام في قطاعات الصحة والتعليم، ونقص حاد في مياه الشرب والكهرباء. المواطن يتساءل: “كيف لدولة تعجز عن توفير 12 ساعة كهرباء مستمرة لمواطنيها في الصيف، أن تتحمل تكاليف تمويل صراعات إقليمية؟”.

اما المكاتب الاقتصادية للفصائل فقد تغلغلت في مفاصل الاقتصاد (المنافذ الحدودية، الابتزاز العقاري، وعقود المقاولات). هذا الاحتكار والفساد المحمي بقوة السلاح دمر القطاع الخاص العراقي والمشاريع الناشئة، وتسبب في هروب المستثمرين المحليين والأجانب. ومن بين انعكاسات ذلك ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب إلى مستويات قياسية تفوق 35%، مما يحول هؤلاء الشباب إلى وقود للاحتجاجات أو يدفعهم لقوارب الهجرة غير الشرعية.

الشارع العراقي اليوم ليس كما كان قبل سنوات؛ فالوعي الجمعي يربط بوضوح بين الفساد المالي والسلاح المنفلت. تعيش المدن العراقية، لا سيما في الوسط والجنوب، حالة من حالة من الاستياء المتزايد بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية. ويرى المواطنون أن طبقة “أمراء الحرب” تعيش في قلاعها الحصينة وتجني الأرباح، بينما يُطلب من الشعب الكادح أن يدفع فاتورة “المقاومة” من قوته اليومي ومستقبل أطفاله، وكما نشاهد يومياً مظاهرات واحتجاجات في اغلب المحافظات العراقية يطالب المواطن فيها بالكهرباء او التوظيف او حتى لقمة العيش له ولعائلته، هذا الاحتقان يهدد بانفجار شعبي أوسع وأعنف من احتجاجات تشرين 2019، كون الدوافع هذه المرة ترتبط بالجوع المباشر وفقدان الأمل.

أمام هذه المعطيات المعقدة، تتأرجح خيارات الحكومة الجديدة بين ثلاث مسارات أساسية:

المسار الاول: أن تحاول الحكومة استخدام القوة العسكرية الرسمية (جهاز مكافحة الإرهاب، الجيش) لتفكيك الفصائل الرافضة لتسليم السلاح بالقوة. هذا السيناريو مستبعد جداً لأن موازين القوى متقاربة، وتكلفته ستكون الدخول في حرب أهلية مدمرة تأتي على ما تبقى من الاقتصاد العراقي.

المسار الثاني: أن تتراجع الحكومة أمام ضغوط الفصائل الرافضة. في هذا السيناريو، يتم ابتلاع الدولة بالكامل، وتتحول بغداد إلى عاصمة تدور في الفلك الإقليمي لمحور “المقاومة” بشكل علني، من المرجح أن يؤدي إلى عزل العراق دولياً وعربياً، وفرض عقوبات مالية صارمة عليه، لينزلق البلد نحو سيناريو انهيار مالي شبيه بالنموذج اللبناني.

المسار الثالث: أن تتحرك الحكومة عبر استراتيجية “النفس الطويل”، مستغلة الانقسام الحالي بين الفصائل (استجابة الصدر والخزعلي مقابل رفض الفصائل العقائدية). ستسعى الحكومة إلى عزل الفصائل المتشددة سياسياً وشعبياً عبر قطع الإمداد المالي والتجاري عن مكاتبها الاقتصادية، بالتوازي مع حشد دعم عربي ودولي لحماية الدينار، واستثمار الغضب الشعبي لتعرية هذه الفصائل باعتبارها مهدداً لقوت المواطن وأمنه.

في النهاية، قد يكون ملف السلاح خارج إطار الدولة واحداً من أكثر الملفات تأثيراً على مستقبل العراق خلال السنوات المقبلة. فنجاح الحكومة في التعامل معه لن ينعكس على الأمن فقط، بل على الاقتصاد والعلاقات الخارجية وحتى على ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. فإذا عجزت الدولة عن فرض هيبتها السيادية، فإن المشكلات الاقتصادية الحالية قد تكون مجرد جزء من أزمة أعمق تتعلق بقدرة الدولة على إدارة شؤونها وفرض سلطتها.

لا يمكن بناء اقتصاد مستقر، ولا يمكن حماية الدينار، ولا يمكن تهدئة غضب الشارع، طالما أن قرار السلم والحرب واستهداف الجيران يخرج من مقرات الفصائل بدلاً من أروقة الحكومة العراقية الرسمية في بغداد.

في نهاية المطاف، يبدو أن جوهر الخلاف لا يتعلق فقط بالسلاح أو النفوذ السياسي، بل بطبيعة الدولة العراقية نفسها وحدود سلطتها. فكلما بقيت مراكز القوة موزعة بين الدولة والفصائل، ستظل قدرة بغداد على معالجة أزماتها الاقتصادية والأمنية موضع تساؤل.

لا يمكن للعراق أن ينجو اقتصادياً بوجود نظام مالي مزدوج (دولة رسمية وفصائل تمتص ريعها)، ولا يمكنه البقاء أمنياً بوجود رأسين لقرار الحرب. الاستمرار في مسار “الترضية والمهادنة” سيعجل بالانهيار المالي على الطريقة اللبنانية، بينما الاستفادة من “انقسام الفصائل الحالي” و”غضب الشارع المكتوم” ربما تكون من أهم الفرص المتاحة حالياً للحكومة لتفكيك هذه البنية تدريجياً وإعادة العجلة إلى مسار “الدولة السيادية”.

قد يعجبك ايضا