آناهيتا حمو/ باريس
رسالة إلى كل من يعتبر نفسه مسؤولاً عن الطلبة في قامشلو، بناة الأجيال، إبتداءاً من رئيس سوريا الحالية وانتهاءً بكل من وضع الأسئلة الامتحانية للشهادة الثانوية العامة بكل فروعها.
التعليم ليس مجرد عملية تلقين للمعرفة، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، وأحد أهم الركائز التي تقوم عليها المجتمعات المتقدمة والعادلة. وعندما نتحدث عن الطلبة في المناطق التي عانت من الحروب والأزمات المتلاحقة، فإن الحديث عن العدالة التعليمية يصبح أكثر إلحاحاً وضرورة.
لقد واجه آلاف الطلبة في المناطق الكوردية، كما في مناطق أخرى، ظروفاً استثنائية تفوق قدرة أي طالب على التحمل. سنوات طويلة من عدم الاستقرار، وانقطاع الخدمات الأساسية، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، كلها عوامل أثرت بشكل مباشر على التحصيل العلمي والحالة النفسية للطلاب. فكيف يمكن لطالب أن ينافس في ظروف طبيعية وهو يدرس أحياناً كثيرة مثيرة للجدل وللتضامن غياب الصحة النفسية، دون كهرباء، أو ماء، أو بيئة تعليمية مستقرة، أو حتى شعور بالأمان تجاه مستقبله؟
إن مادة الرياضيات تُعد من المواد الأساسية التي تتطلب تركيزاً وتراكماً معرفياً مستمراً، وأي انقطاع أو اضطراب في العملية التعليمية ينعكس بشكل واضح على قدرة الطالب على استيعابها. وعندما تأتي أسئلة الامتحانات بمستوى يفوق ما تم تدريسه أو لا يراعي الظروف الاستثنائية التي مر بها الطلبة، فإن النتيجة لا تكون مجرد انخفاض في الدرجات، بل قد تتحول إلى إحباط وفقدان للثقة بالنفس والشعور بالظلم.
من هنا تبرز أهمية منح دورة تكميلية للطلبة الذين أنهوا امتحاناتهم، ولا سيما في مادة الرياضيات. فالدورة التكميلية ليست امتيازاً أو تنازلاً عن المعايير التعليمية، بل هي فرصة عادلة تمنح الطالب حقاً إضافياً لإثبات قدراته في ظروف أكثر إنصافاً. كما أنها رسالة تربوية تؤكد أن المؤسسة التعليمية تقف إلى جانب أبنائها وتسعى إلى دعمهم لا إلى معاقبتهم بسبب ظروف خارجة عن إرادتهم.
إننا، كمربين وأولياء أمور ومهتمين بالشأن التعليمي، نطالب الجهات المعنية ووزارة التربية والتعليم بالنظر بعين المسؤولية والعدالة إلى أوضاع الطلبة الذين أنهكتهم الحروب والأزمات. هؤلاء الطلاب لا يحتاجون إلى مزيد من العقبات، بل إلى فرص حقيقية تمكنهم من متابعة تعليمهم وبناء مستقبلهم.
إن الاستثمار في الطالب هو استثمار في مستقبل المجتمع كله. وكل قرار يخفف من معاناة الطلبة ويمنحهم أملاً جديداً هو خطوة نحو بناء جيل أكثر ثقة وقدرة على المساهمة في نهضة وطنه. فالتعليم العادل ليس منحة، بل حق أصيل يجب أن يحصل عليه جميع الطلاب دون تمييز، وبما يراعي الظروف الإنسانية التي مروا بها.
ولأجل مستقبل أكثر إشراقاً وعدالة، فإن منح دورة تكميلية للطلبة المتضررين من الظروف الاستثنائية يمثل استجابة تربوية وإنسانية عادلة، تحفظ كرامة الطالب، وتعيد إليه الثقة بقدراته، وتؤكد أن التعليم يبقى دائماً باب الأمل المفتوح أمام الأجيال القادمة.