د. افين خالد احمد خالد
القراءة الأكاديمية للتحديات والرسالة الوطنية ديمومةً للتميز
تكررت في التغطيات الإعلامية واللقاءات التلفزيونية أسئلة تحاول اختزال تجارب النجاح المتميزة في محطات سريعة، وأبرزها الاستفسار المعهود عن ماهية العقبات التي اعترضت المسار؟، وعن الدافع المحرك للاستمرار وسط التحديات؟ وفي لحظات التتويج وغمرة الفرح، ينزع المرء غالباً إلى التسامي عن ألم التجربة وکتمان مراراتها في الصدر، نأياً بالنفس عن استرجاع تفاصيل المشقة، غير أن القراءة التأملية والمجردة لمسيرة الكفاح تُحتم الاعتراف بأن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود، بل كان محفوراً بتحديات مركبة تتداخل فيها الأبعاد المادية والمعنوية والنفسية بشكل معقد.
فمن الناحية اللوجستية والمادية، تمثلت العقبات في تفاصيل يومية مرهقة مثل عوائق التنقل والمواصلات وضغوط إدارة الوقت، غير أن العوائق الأشد تأثيراً هي تلك التحديات النفسية والمعنوية التي تحاصر الذات في لحظات التعب، محاولةً الإحباط والتسلل إلى الإرادة لتفقدها الأمل. وقد تضاعف ثقل هذه الأعباء بفعل الرهان الزمني المحموم؛ إذ لم تكن المواجهة مجرد دراسة أو عمل، بل كانت سباقاً حقيقياً مع الزمن لردم فجوة انقطاع دام سبعة عشر عاماً عن مقاعد الدراسة، والعودة بفكر متجدد لمواكبة عصر المعرفة والتحول الرقمي المتسارع الذي تتغير مفاهيمه وتقنياته بين ساعة وأخرى.
وفي قلب هذه الرحلة المزدحمة بالتحديات، تبرز مهنة التدريس بوصفها أسمى الرسالات الإنسانية وأكثرها تأثيراً في بناء الإنسان والمجتمع؛ حيث لم تكن هذه المهنة مجرد أداء وظيفي، بل كانت ولا تزال شغفاً ورسالة سامية أُنفقت في سبيلها أقصى الجهود لتوفير مناخ تعليمي مناسب ومحفز للطالبات، رغم وجود عقبات، يضمن استيعابهن وتمكينهن من تحقيق أهدافهن التعليمية المرجوة. إن الدافع الأعمق والحقيقي لكل المشاق تمثل في المحبة الخالصة لهن، وتلك الرغبة الصادقة في رؤية الابتسامة وهي تضيء وجوههن بفهم المعرفة وشغف التعلم.
ويتجسد العمق الحقيقي لهذه الرسالة التربوية في البعد الوطني الصادق تجاه إقليم كوردستان، وفي غرس روح الانتماء والتضحية في نفوس أجيال المستقبل؛ فإذا كان شهداؤنا الأبرار قد ضحوا بأرواحهم وأغلى ما يملكون دفاعاً عن أرضنا وكرامتنا، فإن أمانة الوفاء لدمائهم الزكية تفرض علينا ككوادر تدريسية وأكاديمية أن نؤدي رسالتنا بشرف وإخلاص، من أجل بناء أجيال واعية، مسلحة بالعلم والمعرفة، وقادرة على صون هذه التضحيات وتحقيق التنمية المستدامة التي تضمن المضي بخطى واثقة نحو المستقبل.

وقد توازت هذه الرسالة الوطنية والتربوية مع دافع داخلي تجسد في ثلاث صور ذهنية ورمزية راسخة في المخيلة؛ أولاها صورة الأقدام بالدماء أثناء الركض، وهي تذكير رمزي عميق بأنه لا يوجد طريق نحو العظمة خالٍ من الجراح والآلام الجسدية والنفسية، وأن الكدمات هي ضريبة السعي الشريف. وثانية صورة الفتاة الرياضية التي تسابق بثبات رغم الإعاقة وبدون قدم طبيعية، لتكون الشاهد الحي والمحفز الأكبر على أنه مهما عظمت العقبات المادية والمعنوية، فإن الإرادة هي التي تصنع الأقدام وتتجاوز كل أشكال القصور. أما الصورة الثالثة، فهي طريق الأشجار الممتد نحو نهاية تشع بالضوء، وهو تجسيد لمسار الحياة العلمي والمهني، حيث المسير المتواصل بين ظلال التحديات باتجاه البؤرة المضيئة في النهاية، مع إدراك ذاتي واعد بأن المقام الحالي ما زال يقع في منتصف هذا الطريق، حيث أُنجز جزء كبير منه وما زال السعي مستمراً لنيل الغايات الأسمى.
ولم تكن هذه الرموز أو تلك الجهود التربوية مجرد خيالات أو مساعٍ فردية، بل أثمرت واقعاً ملموساً وتتويجاً استثنائياً تجسد في الحصول على المركز الأول على مستوى إقليم كوردستان في تقييم «حقيبة المعلم» الصادر من وزارة التربية وبنسبة تقييم كاملة بلغت 100%، ليكون هذا الإنجاز الشاهد الأبرز على أن المعاناة والمحبة الصادقة للتعليم تتحولان إلى تميز مؤسسي وشخصي رفيع.
إن التميز لا يُقاس بحجم ما تحقق فحسب، بل بعمق التجربة الإنسانية ومدى النضج الروحي المتحقق خلالها؛ فبالرغم من الوقوف في منتصف الطريق واستمرار السعي من أجل الطالبات والرسالة العلمية والوطنية لاقليم كوردستان، يبقى اليقين والتوكل المطلق على الله هو المبدأ الأسمى الذي يفتح الابواب في طريق، ويهدئ روع النفس، ويحل كل عائق ونزيف إلى درس يُصقل الخبرة وتتجسد من خلاله عزيمة الإنسان السامي إلى التطور والارتقاء.