مهمة باراك من حصر السلاح في المركز إلى تحصين أمن الطاقة في الإقليم

رمزي ميركاني

لم يكن وصول توم باراك، المبعوث الرئاسي الأمريكي الخاص إلى العراق وسوريا، إلى العاصمة بغداد ومن ثم توجهه إلى أربيل، مجرد إجراء دبلوماسي روتيني ضمن جدول أعمال الإدارة الأمريكية. بل إن هذه الزيارة، بتوقيتها ودلالات الشخصية القائمة بها، تمثل إعلاناً صريحاً عن انزياح جوهري في السياسة الأمريكية تجاه الملف العراقي؛ انزياحٌ ينتقل من إدارة العلاقات والمجاملات السياسية، إلى إدارة القرارات الجراحية والحاسمة.

توم باراك (79 عاماً)، الملياردير والمستثمر ذو الأصول اللبنانية والمقرب جداً من الرئيس دونالد ترامب، ليس دبلوماسياً تقليدياً نشأ في أروقة وزارة الخارجية. إنه رجل صفقات بامتياز، يتحدث العربية ويفهم شيفرات الشرق الأوسط المعقدة. تعيينه مبعوثاً رئاسياً بملفات تشمل العراق وسوريا، وربطها بمهامه كسفير في أنقرة، يعكس رؤية ترامب الجديدة: التعامل مع المنطقة ككتلة أمنية واقتصادية واحدة، لا كملفات مجزأة. باراك لا يؤمن بالدبلوماسية التي تبتسم خلف الكواليس بينما تضيع المصالح الاستراتيجية؛ هو الرجل الذي وصف غزو العراق سابقاً بأنه مثال صارخ للفشل، وهو اليوم يعود لا ليصحح الماضي، بل ليفرض واقعاً جديداً يضمن عدم تكرار نزيف التريليونات بلا نتائج ملموسة.

تأتي زيارة باراك في لحظة حرجة من عمر حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي. الملف الأبرز على الطاولة هو استكمال الكابينة الوزارية. لكن العقدة لا تكمن في أسماء الوزراء، بل في هوية الجهات التي تطالب بمناصب سيادية (نائب رئيس وزراء ووزارة سيادية). المصادر الحكومية كشفت أن فصائل مسلحة أبدت رغبتها في تفكيك أجنحتها العسكرية والاندماج في “هيئة الحشد الشعبي” مقابل هذا الثمن السياسي الباهظ. وهنا تبرز “اللا” الأمريكية التي يحملها باراك؛ واشنطن ترفض مقايضة السلاح بالمناصب السيادية التي قد تُستخدم لتقويض النفوذ الأمريكي أو تعزيز الأجندات الإقليمية. باراك جاء ليضع النقاط على الحروف: الاندماج في الدولة يعني الامتثال التام لسلطة الدولة، وليس تحويل المناصب السيادية إلى مغانم لمن كان يحمل السلاح خارج إطارها.

لطالما كان ملف “حصر السلاح بيد الدولة” مادة للاستهلاك الإعلامي في العراق، لكنه مع باراك يتحول إلى ملف أمني بجدول زمني ضاغط. واشنطن لم تعد تتحمل ازدواجية السلطة في بغداد. رسالة باراك واضحة: الاستقرار في العراق شرط أساسي للاستثمارات والطاقة، وهذا الاستقرار لن يتحقق بوجود قوى تملك القرار السياسي والقدرة العسكرية في آن واحد. المحللون يرون أن باراك يسعى لتفكيك “المناطق الرمادية” التي عاشت فيها الفصائل لسنوات، واضعاً إياها أمام خيارين: الانخراط الكامل والشفاف في المنظومة الأمنية الرسمية، أو مواجهة ضغوط اقتصادية وسياسية مباشرة لا تستثني أحداً.

انتقال باراك إلى أربيل ليس مجرد ترضية لإقليم كوردستان، بل هو اعتراف أمريكي بأن الإقليم يمثل ركيزة أساسية في استراتيجية “توازن القوى”. الملفات العالقة بين بغداد وأربيل (النفط، الرواتب، والمادة 140) لم تعد قضايا داخلية عراقية في نظر واشنطن، بل هي قضايا تتعلق بأمن الطاقة الإقليمي واستقرار الحليف الكوردي الذي تعتبره واشنطن شريكاً موثوقاً. باراك يسعى لفرض تفاهمات مستدامة تنهي حالة “الابتزاز السياسي” المتبادل بين المركز والإقليم، بما يضمن انسيابية تصدير النفط وحماية الاستثمارات الأجنبية.

ما يميز حقبة باراك هو اللغة. لقد انتهى زمن التقارير الدبلوماسية الناعمة. باراك رجل لا يخشى قول الحقيقة الفجة؛ فبالنسبة له، العراق اليوم هو جزء من سلسلة تمتد من طهران إلى بيروت، وأي خلل في حلقة بغداد سيؤثر على كامل المشروع الأمريكي في المنطقة. هو يرى أن الحلفاء يجب أن “يعتمدوا على أنفسهم ويتقاسموا الأعباء”، وهذا يعني أن واشنطن لن تدفع فاتورة أمن العراق سياسياً أو مالياً دون أن ترى خطوات ملموسة في مكافحة الفساد، وضبط السلاح، وتحجيم النفوذ الإقليمي المعارض لمصالحها.

إن زيارة توم باراك تهيئ التربة لزيارة علي الزيدي إلى واشنطن، لكنها زيارة مشروطة بنتائج. واشنطن، عبر مبعوثها الخشن، تقول للنخبة السياسية في العراق: انتهى وقت اللعب على الحبال. فإما حكومة قوية، مكتملة، تسيطر على سلاحها وتفي بعهودها الدولية، وإما مواجهة مرحلة من العزلة أو الضغوط التي قد لا يتحملها النظام السياسي القائم. توم باراك ليس مجرد زائر؛ إنه مهندس المرحلة الجديدة التي قد تكون صاخبة، وجارحة، لكنها بالتأكيد ستكون حاسمة في رسم مستقبل العراق والمنطقة. السؤال المتبقي: هل تملك القوى السياسية العراقية القدرة على استيعاب هذه الصدمة الدبلوماسية، أم أنها ستستمر في الرهان على الوقت الذي يبدو أنه نفد في ساعة ترامب وباراك؟

قد يعجبك ايضا