شهر رمضان والتنمية البشرية

 

سارة السهيل

في هذا المقال سأتناول شهر رمضان المبارك من زاوية مختلفه وهي زاوية كبت النفس وتعلم الصبر والتحكم في الغرائز وكيف تكون انت اقوى من نفسك، النفس التي هي احيانا أمارة بالسوء، كيف يمكننا ان نقوى عليها ونهذبها ونشذبها ونجعلها طواعة لنا لا مسيطرة علينا.

 

لن تحصل على كل هذا الا لو عملت كل شيء بحب واقتناع بينما الواجب المفروض او الاجبار والاكراه لن يؤتي بالنتائج كاملة ولهذا يجب ان نكون على يقين بأن الايمان الداخلي هو اهم خطوة واول خطوة لغرس قيم وفضائل جديدة وتغيير انماط حياة غير متوازنة او غير صحيحة.

 

فالعطاء بتضحية يعطي لك مشاعر إيجابية لا يمكن شرائها بكنوز الأرض فالعطاء نعمة كون المعطي مليء والذي لا يعطي فارغ وكما قال الله تعالى في كتابه اليد العليا خير من اليد السفلى باشارة العطاء.

 

ولكن العطاء بحب غير المشروط وهو احد نماذج تدريب النفس على التفاعل والإيثار ونبذ الأنانية وعدم التركيز طوال الوقت فقط مع الذات وانا لا اقول ابدا لا تحب نفسك بل على العكس حبك لنفسك سيشع حبا لمن حولك لان كاره نفسه هو نفسه الناقم على الحياة والناس.

 

فالعطاء التطوعي هو قريب من تطويع النفس وهو نفسه عندما تشعر الام بالسعادة اذا اعطت من صحتها ووقتها وسهرت على تمريض ابنتها تطوعا وعطاء لانها تفعل هذا بحب وايمان وهو نفسه عندما تضحي المرأة وتعطي لزوجها من الحب والاهتمام وربما تعطيه قطعة الشوكولاتة المفضلة لديها وتحرم نفسها منها فتشعر هي بالسعادة اكثر منه ذلك لانه ليس اجبارا ولو كان هذا اجبارا ستشعر بالحزن والبؤس والانكسار كونها لم تستطع ان ترفض ما لا ترغبه لاعتبارات اجتماعية وعائلية وغيرها.

 

وهذه الامثلة ليست بعيدة عن فكرة التقشف والزهد فعطاء ما لديك والاكتفاء بالقليل او بلا شيء هو الزهد والتقشف نفسه وهو نفسه ما تضحي به انت حين تصوم، فالصيام هو الامتناع عن متع من متع الحياة بل الامتناع عن مصادر مهمه من مصادر العيش؛ الأكل والشرب والملذات كلها.

 

فأنت تحرم نفسك من الطعام الذي حين تجوع ربما تأكل أي شيءٍ حتى لو طعمه غير محبب بالنسبة لك لان غريزة الجوع قوية اما العطش فبالنسبة لي اقوى بكثير من الطعام لانه سر الحياة، ومع ذلك فنحن نصبر ساعات طويلة تصل احيانا الى 12 ساعة او 15 ساعة حسب البلد والجغرافية.

 

فهذا التدريب والتمرين لم يكن المقصود به تجويعك وتعطيشك وانما تعويدك على كبح جماح نفسك، والسيطرة عليها وتعزيز التحكم بنفسك وذاتك وهو ما يحقق الكفاءة الذاتية وهي قدرة الانسان على التحكم بذاته وسلوكه ورغباته ومن هنا تأني ثقته بنفسه انه هو الذي يأمر نفسه وليس نفسه التي تأمره.

 

ومن هنا نجد ان شخصا لا يستطيع الاقلاع عن التدخين وشخص اخر يستطيع ونجد ان شخصا يستطيع ان لا يدمن على الاركيلة واخر اذا دخنها مرة ان يتركها طوال عمره لانه اسير نفسه وهواها وعاداتها التي اكتسبتها بالتجارب واستمرار الرغبة.

 

ومن هنا نجد ان اشخاصاً كثيرين يستطيعون التوبة عن الذنب والرجوع الى الله واخرون يبقون طوال اعمارهم اسرى لهوى النفس وحتى وان بلغوا من العمر عتيا، وبالعودة الى الصوم وكبت مكابح النفس وتعلم الصبر وتحمّل المسؤولية التي تؤدي الى الراحة النفسية وكظم الغيظ والسيطرة على الانفعالات العصبية ورفض المغريات والنزوات حيث ان الصائم لا يجوز له السب او الشتم او التعدي على الاخرين ومن هنا يأتي التأقلم وتعويد النفس على الانضباط العصبي والانفعالي فغضبك لن يعود هو الذي يسحبك للخطأ او العنف او النزول الى مستويات وضيعة بالرد على الكلام او الضرب مثلا وايضا عدم المثول امام الرغبات من المنكرات والممنوعات التي منعها الله من عباده حتى يحافظ على كرامتهم وصحتهم وشكلهم الاجتماعي وكيانهم واحترام الناس لهم مثل تعاطي المخدرات او العلاقات غير السوية وغير الاخلاقية وغيرها، مما يبدد كرامة الانسان ويجعله مهانا في نظر نفسه والاخرين.

 انها (الإرادة) تقوية الارادة، فكل هذا تدريب النفس اثناء الصيام دون ان يدرك الانسان هذا لان هناك اجزاء في العقل البشري تدعى بالزاحف ولربما المقصود بها الباطن وهو المسؤول عن التفكير البسيط وهو الذي يبعث هذه المخزونات الى العقل او القشرة المخية التي من وظيفتها انها تعدل السلوك الاجتماعي وتصنع الوعي والخبرة وتعطي الاوامر بأخذ القرار وهذا من شروطه الصحة النفسية حتى تعمل بشكل صحيح دون خلل.

 

فحين تفكر في نفسك وتحاول ان تقيم اداءك وسلوكك وتفكر في اعماق نفسك فأنت تتيح لنفسك الفرصة للتغير وهذا الوقت يكون متاحاً بشكل اكبر اثناء الصيام حيث لا طعام تلهو به ولا شراب ولا مغريات الدنيا كلها ومن هنا انت تلتقي مع نفسك وتتعرف بها وتعقد معها صداقة جديدة وتحدث معها معاهدات واتفاقيات وعقود جديدة لتنمية نفسك وقدراتها.

 

وربما هذا هو السبب في انخفاض نسبة الجريمة في رمضان ليس بسبب الجوع وقلة الحيلة بسبب العطش او انخفاض السكر بالدم وانما ايضا بسبب مراجعة النفس وحسابها لان حسب دراسة قرأتها مرة بأن الصيام يزيد التركيز ويقوي الذاكرة فأنا عن نفسي قبل اي ندوة او محاضرة لي اتجنب الطعام لانه يقلل من تركيزي وهذه تجربة شخصية وذلك بسبب زيادة تدفق الدم على المخ والدم المحمل بالأوكسجين يعمل على زيادة الانتباه والتركيز، كما ان الجوع يقلل من زيادة نسبة هورمون الكورتيزول الذي يسبب التوتر وبالمقابل يزيد افراز هورمون الاندروفين الذي يؤدي للشعور بالسعادة. اذن نستخلص ان في الصوم فوائد كثيرة جدا ومن ضمنها السعادة.

قد يعجبك ايضا