كلما كبرت المدن اتسعت الفجوة الحرارية بين الأحياء الغنية والفقيرة

 

متابعة ـ التآخي

كشفت دراسة عالمية جديدة، أن التوسع الحضري يؤدي إلى تصاعد “عدم المساواة الحرارية” في داخل المدن، حيث تصبح الأحياء الفقيرة أكثر سخونة وأقل خضرة مقارنة بالمناطق الأكثر ثراءً، مع اتساع هذه الفجوات كلما ازداد حجم المدن.

واعتمدت الدراسة على تحليل بيانات الأقمار الصناعية لأكثر من 11 ألف مدينة حول العالم، لتكشف عن نمط رياضي ثابت يربط بين نمو المدن وتفاقم التفاوت في درجات الحرارة والمساحات الخضراء والنشاط الاقتصادي. وُشرت الدراسة في دورية Nature Communications العلمية.

وعادة ما تعتمد المدن على متوسط درجات الحرارة أو إجمالي المساحات الخضراء لتقويم أوضاعها البيئية، لكن الباحثين يقولون إن هذه المتوسطات تخفي تفاوتات حادة بين الأحياء.

وأوضح فريق الدراسة، بقيادة الباحث كونجهونج هوانج من جامعة نانجينج الزراعية في الصين، أن الأحياء الأكثر تعرضًا للحرارة تصبح أكثر اختلافًا عن الأحياء الأكثر برودة وخضرة مع تضاعف عدد سكان المدينة.

وتظهر النتائج، أن كل مرة يتضاعف فيها عدد سكان مدينة ما، ترتفع فجوة عدم المساواة الحرارية والبيئية بنسبة تتراوح بين 8% و9%.

واعتمد الباحثون على صور حرارية وخرائط الغطاء النباتي وبيانات الإضاءة الليلية المستمدة من الأقمار الصناعية، ثم قاسوا التفاوت داخل المدن باستخدام “معامل جيني”، وهو المؤشر المستخدم عالميًا لقياس عدم المساواة الاقتصادية.

وحصلت كل مدينة على ثلاثة مؤشرات منفصلة: أحدها لعدم المساواة الحرارية، والثاني للمساحات الخضراء، والثالث للنشاط الاقتصادي.

وعند مقارنة النتائج بعدد السكان، ظهرت علاقة رياضية واضحة وثابتة بين كبر حجم المدينة وارتفاع مستويات التفاوت الداخلي.

أوضحت الدراسة، أن المدن الصغيرة تسجل مستويات أقل من التفاوت، بينما ترتفع الفجوات بشكل متوقع ومنتظم في المدن الكبرى. وأشار الباحثون إلى أن دراسات سابقة أظهرت أن الثروة والابتكار والجريمة تنمو بوتيرة أسرع من نمو عدد السكان في المدن الكبيرة، لكن الدراسة الحالية تُعد الأولى التي تثبت أن عدم المساواة البيئية يتبع النمط نفسه وعلى نطاق عالمي واسع.

كان التفاوت الحراري هو الأكثر وضوحًا في نتائج الدراسة، فالحرارة ترتبط عادة بالمناطق ذات الغطاء النباتي المحدود والأسطح الإسفلتية والمباني منخفضة الارتفاع والكثافة السكانية المرتفعة.

وفي المدن الكبرى، تصبح هذه “البقع الساخنة” أكثر بعدًا واختلافًا عن الأحياء الأكثر خضرة وبرودة. كما تبين أن المدن الواقعة في المناطق الجافة والحارة سجلت أكبر فجوات حرارية، إذ يمكن لغياب الأشجار أو الظلال في موقف سيارات أو شارع مكشوف أن يرفع الحرارة عدة درجات مقارنة بالأحياء المجاورة.

وكشفت الدراسة أيضًا، أن الحدائق والأشجار والمساحات الخضراء لا تتوزع بالتساوي مع توسع المدن، بل تتركز بشكل متزايد في الأحياء الأكثر ثراءً. أما المناطق الأكثر كثافة وفقراً، فتفقد المساحات الخضراء أولًا مع ارتفاع أسعار الأراضي وزيادة البناء. ويطلق علماء البيئة على هذه الظاهرة اسم “تأثير الرفاهية”، حيث ترتبط وفرة الغطاء النباتي بارتفاع المستوى الاقتصادي للسكان.

وتظهر النتائج، أن التفاوت كان أشد وضوحًا في المدن الواقعة بالدول منخفضة الدخل، ففي هذه الدول، يؤدي تضاعف عدد السكان إلى ارتفاع أكبر في عدم المساواة الحرارية والبيئية مقارنة بالمدن الموجودة في الدول الغنية.

كما كشفت بيانات الإضاءة الليلية، المستخدمة كمؤشر للنشاط الاقتصادي، أن المدن الكبرى تميل إلى تركيز الثروة والأنشطة التجارية في مناطق محددة، بينما تبقى الأطراف أقل نشاطًا وأقل خدمات.

أشارت الدراسة إلى أن أشكال التفاوت الثلاثة غالبًا ما تتداخل معًا، فالأحياء التي تفتقر إلى الأشجار تكون غالبًا أكثر حرارة وأقل نشاطًا اقتصاديًا، بينما تحظى الأحياء الثرية بدرجات حرارة أقل ومساحات خضراء أكبر وفرص اقتصادية أفضل.

ووصف الباحثون هذه الظاهرة بأنها “تراكم للحرمان” داخل المدن الحديثة.

ترى الدراسة، أن نتائجها تمثل تحديًا مباشرًا للافتراض السائد بأن نمو المدن وازدياد ثروتها يؤديان تلقائيًا إلى تقليل الفجوات الاجتماعية والبيئية، بل على العكس، تشير البيانات إلى أن هذه الفجوات تتسع بصورة متوقعة ومنهجية ما لم تتدخل السياسات العامة بشكل مباشر.

ويقول الباحثون، إن النتائج تمنح مخططي المدن أدوات جديدة لتحديد الأحياء الأكثر عرضة لموجات الحر ونقص الغطاء النباتي، ما يساعد في توجيه الاستثمارات البيئية والصحية بشكل أكثر عدالة.

خلصت الدراسة إلى أن عدم المساواة في داخل المدن ليس مجرد نتيجة لسوء الإدارة في بعض المناطق، بل يرتبط بالطريقة التي تنمو بها المدن نفسها.

وأكد الباحثون، أن بناء مدن أكثر عدالة واستدامة يتطلب سياسات متعمدة لمواجهة هذا المسار الطبيعي للتوسع الحضري، بدلًا من ترك الفوارق تتفاقم تلقائيًا مع الزمن.

يشار الى ان العلاقة بين الفقر والصحة العامة هي علاقة تبادلية وثيقة؛ فكلاهما سبب ونتيجة للآخر. ويشكل الفقر تهديداً مباشراً للصحة، فيما يؤدي اعتلال الصحة إلى استنزاف الموارد ودفع الأفراد نحو الفقر، مما يخلق حلقة مفرغة يصعب كسرها. كيف يؤثر الفقر على الصحة؟ يؤثر بسوء التغذية، اذ ان نقص الموارد المالية يمنع الأفراد من الحصول على غذاء صحي ومتوازن، مما يؤدي إلى ضعف المناعة، كما يظهر التقزم لدى الأطفال، والإصابة بأمراض نقص الفيتامينات والمعادن. ويظهر الفقر في البيئة والسكن، اذ يفتقر الفقراء غالباً إلى السكن الآمن، المياه النظيفة، وخدمات الصرف الصحي، مما يزيد من معدلات الإصابة بالأمراض المعدية، وكذلك محدودية الوصول للرعاية، اذ ان ضعف الدخل يحول دون الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الجيدة والأدوية. كما يؤدي إلى تجاهل الفحوصات المبكرة، وينتج الفقر الضغوط النفسية فالعيش في ظروف اقتصادية قاسية يولد إجهاداً مزمناً، ويزيد من معدلات الإصابة بالاكتئاب.

قد يعجبك ايضا