من كوباني المقاومة إلى كوباني التسويات… أين اختفت الرموز؟

المهندس عباس حمدوش

في المشهد السياسي السوري المتحوّل تبرز بعض الصور والوقائع التي تتجاوز كونها حدثا بروتوكوليا عابرا لتتحول إلى مادة للنقاش حول الهوية والرموز والمسار السياسي الذي وصلت إليه بعض القوى التي قدمت نفسها لعقود بوصفها حاملة لمشروع قومي كوردي .الصورة المتداولة من مدينة كوباني خلال استقبال وفد رسمي قادم من حلب أثارت تساؤلات واسعة بين الأوساط الكوردية ليس بسبب الزيارة بحد ذاتها بل بسبب المشهد العام الذي رافقها. فمدينة كوباني التي ارتبط اسمها عالمياً بالمقاومة والصمود والتي تحولت إلى رمز سياسي وعسكري للكورد خلال الحرب ضد تنظيم داعش بدت وكأنها تقدم صورة مختلفة تماما عن تلك التي رسمت لها خلال السنوات الماضية.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا أين ذهبت الرموز التي طالما اعتبرت جزءا من خطاب المكتسبات والخصوصية الكوردية ؟ وأين اختفت الشعارات التي كانت ترفع في كل مناسبة بوصفها تعبيرا عن هوية المدينة ومشروعها السياسي؟

لقد اعتادت الجماهير الكوردية خلال السنوات السابقة رؤية أعلام وشعارات ورموز مرتبطة بالسردية السياسية التي قادت الإحزاب السياسية الكوردية في سوريا وخاصة الإدارة الذاتية وكانت تلك الرموز تقدّم على أنها خطوط حمراء لا يمكن التنازل عنها. أما اليوم فإن المشهد يوحي بأن مرحلة جديدة تتشكل عنوانها إعادة التموضع السياسي والبحث عن تفاهمات مع السلطة السورية الجديدة حتى وإن جاء ذلك على حساب كثير من الشعارات التي رفعت سابقا. ولا يتعلق الأمر برفع علم أو إنزال آخر بقدر ما يتعلق بالسؤال عن مصير الخطاب الذي أُقنع الناس به لسنوات طويلة. فإذا كانت المرحلة الراهنة تفرض واقعية سياسية جديدة فمن حق الجمهور أن يسمع تفسيرا واضحا وصريحا حول التحولات الجارية بدلا من الانتقال المفاجئ من خطاب إلى آخر دون مراجعة أو نقد أو مصارحة.

إن كوباني ليست مدينة عادية في الذاكرة الكوردية فهي مدينة دفعت ثمنا باهظا من دماء أبنائها وبناتها وتحولت إلى رمز عالمي للمقاومة. ولذلك فإن أي تغيير في صورتها السياسية أو الرمزية يثير بطبيعة الحال أسئلة مشروعة حول الاتجاه الذي تسير إليه الأمور. ربما لا تكمن المشكلة في استقبال مسؤول حكومي أو وفد رسمي فالحوار والانفتاح السياسي جزء من أي عملية انتقالية. لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في التناقض بين الخطاب السابق والممارسة الحالية وبين ما قيل للشعب بالأمس وما يطلب منهم تصديقه اليوم. إن الشعوب لا تحاسب السياسيين على تبديل التكتيكات بل تحاسبهم على غياب الشفافية.

لذلك فإن المطلوب اليوم ليس المزيد من الشعارات بل مصارحة الرأي العام الكوردي بحقيقة المرحلة الجديدة هل نحن أمام شراكة وطنية جديدة ضمن سوريا موحدة؟ أم أمام نهاية مرحلة كاملة من المشروع الذي تم الترويج له طوال السنوات الماضية؟ ويبقى السؤال الذي يتردد بين كثير من أبناء المنطقة هل ما نشهده اليوم هو تطور طبيعي تفرضه المتغيرات السياسية أم أنه إعلان غير مباشر عن تراجع الرموز والشعارات التي شكلت جوهر الخطاب السياسي في كوباني طوال أكثر من عقد من الزمن؟

وبين الأمس واليوم تظل كوباني أكبر من أي اتفاق وأوسع من أي محاولة للاختزال أو التوظيف السياسي. فهي مدينة نسجت رمزيتها من دماء أبنائها وتضحياتهم لا من شعارات عابرة أو تحالفات تتغير بتغير المصالح والظروف.

*عضو مكتب السياسي للحزب الديمقراطي الكردي في سوريا البارتي.

قد يعجبك ايضا