احمد كوران
في كل مرحلة مفصلية من تاريخ كوردستان، يعود السؤال نفسه: من يحمي الأرض والإنسان؟والجواب كان دائماً واحداً: البيشمركة
فالبيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية أو مؤسسة أمنية، بل هي تجسيد لإرادة شعب رفض الانكسار ودافع عن وجوده وهويته عبر عقود طويلة من التضحيات. تأسست بدماء الشهداء وترسخت في ذاكرة الكورد كعنوان للصمود والكرامة.
البيشمركة… تاريخ كُتب بالدم
البيشمركة لم تولد في القصور أو خلف البروتوكولات السياسية، بل خرجت من رحم جبال كوردستان ومن معاناة شعب عاش الحروب والإبادات.
من الأنفال إلى حلبجة ومن شنگال إلى كركوك ومخمور وديالى، وقف البيشمركة خط الدفاع الأول عن المدنيين، ليس فقط للكورد، بل للعرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين أيضاً.
هذا التاريخ لم يُكتب بالحبر، بل كُتب بدماء آلاف الشهداء الذين ضحوا بحياتهم من أجل بقاء كوردستان وأمنها.
ولهذا، فإن من يعتقد أن قراراً إدارياً أو توقيعاً سياسياً يمكنه إلغاء البيشمركة، يجهل أن المؤسسات التي تُبنى بالتضحيات لا تُمحى بالأوراق.
البيشمركة ليست ميليشيا… بل مؤسسة وطنية
البيشمركة ليست اسماً عابراً في جدول رواتب، ولا بنداً قابلاً للحذف في اتفاق سياسي. إنها مؤسسة وطنية ارتبط وجودها بوجود شعب كوردستان نفسه.
على مدار عقود، أثبتت البيشمركة أنها قوة دفاع شرعية لعبت دوراً محورياً في حماية الاستقرار ومواجهة الإرهاب، وخاصة خلال الحرب ضد داعش، حين كانت سداً أمام تمدد التنظيم وإنقاذ المدنيين في أصعب الظروف.
إن أي نقاش حول مستقبل البيشمركة يجب أن ينطلق من احترام هذا التاريخ ومن الإيمان بأنها جزء أساسي من أمن واستقرار الإقليم.
التحديات الحالية تحتاج إلى وحدة الصف
تمر المنطقة اليوم بظروف معقدة وتحديات خطيرة:
* بقايا الإرهاب والتنظيمات المتطرفة
* النزاعات الحدودية والسياسية
* الأزمات الاقتصادية
* محاولات المساس بالحقوق الدستورية لإقليم كوردستان
وفي ظل هذه التحديات، فإن اخر ما يحتاجه شعب كوردستان هو الانقسام الداخلي أو إضعاف المؤسسة التي شكلت خط الدفاع الأول لعقود.
إن الحديث عن الإلغاء أو الدمج دون رؤية وطنية موحدة قد يخلق فراغاً أمنياً ويضعف الثقة بين الشعب ومؤسساته الأمنية. المطلوب اليوم ليس الإلغاء، بل التنظيم والتوحيد تحت قيادة وطنية موحدة تحفظ قوة البيشمركة ودورها التاريخي وتستمد شرعيتها القانونية والدستورية من المادة (١٢١ / خامساً) من الدستور العراقي الدائم، والتي تمنح حكومة الإقليم الحق في إنشاء وتنظيم قوى الأمن الداخلي للإقليم كحرس الإقليم (البيشمركة)، والشرطة، والأمن ، أما تأسيس هيكلية وزارة البيشمركة في الإقليم فينظمها قانون وزارة شؤون البيشمركة رقم ١٩ لسنة ٢٠٠٧ الصادر عن برلمان إقليم كردستان العراق.
وحدة الصف تبدأ من احترام التضحيات
توحيد الصفوف لا يعني إلغاء الخصوصيات، بل يعني الاتفاق على هدف مشترك: حماية كوردستان.
وهذا يتطلب:
* بيشمركة موحدة
* قراراً وطنياً موحداً
* تدريباً وتمويلاً موحدين
* تعاوناً بين الحكومة والأحزاب والقيادات العسكرية والشعب
فالشهداء الذين سقطوا في شنكال وكركوك ومخمور وديالى لم يضحوا لكي ينشغل الناس بالخلافات السياسية، بل ضحوا لكي تبقى كوردستان قوية وآمنة.
البيشمركة… ضمير شعب لا يُلغى
البيشمركة ليست مجرد سلاح أو زي عسكري، بل هي:
* دمعة أم ودعت ابنها إلى الجبل
* وصية شهيد آمن بحرية شعبه
* صرخة طفل نجا من المجازر والإرهاب
* ذاكرة شعب قاوم الإبادة والانكسار
ولهذا تبقى البيشمركة أكبر من أي قرار سياسي أو إداري، لأنها متجذرة في وجدان الناس وتاريخهم.
فالضمير لا يُحل والذاكرة لا تُمحى والتاريخ الذي كُتب بالدم لا يُلغيه الحبر.
حان الوقت لتغليب المصلحة الوطنية على الخلافات الجانبية والعمل على توحيد الصفوف لمواجهة التحديات الحقيقية التي تهدد أمن واستقرار كوردستان.
إن الدفاع عن كوردستان مسؤولية جماعية والبيشمركة ستبقى عنوان هذه المسؤولية، لأنها وُلدت من تضحيات الشعب وستبقى ما بقيت إرادة هذا الشعب حية.
فالبيشمرگة ليس مجرد مؤسسة… بل قصة شعب و صمود وطن.