علي السريع
المتتبع لعلاقات الحكومتين الاتحادية واقليم كردستان يجد نفسه في حيرة من امره، اذ اتسمت هذه العلاقة بمراوحتها بين المجاملات الشخصية, بل امتدت احيانا الى تحشيد عسكري بين الطرفين واثارت نوعاً من التعصب القومي بين شرائح واسعة من العرب والاكراد. وفي حقيقة الامر فأن ملف الاشكال النفطي بين بغداد واربيل كان السبب الرئيسي في صناعة الفجوة بين الطرفين التي يدفع ثمنها نهاية المطاف العراق والمواطن العادي.هذا هو الجانب الاول من المشكلة طبعاً فضلاً عن جوانب اخرى. بدأ هذ الصراع في حقبة المالكي وتواصل مع الحكومات المتعاقبة. وفي النهاية أصبح العراق والعملية السياسية برمتها رهينتي هذا الخلاف وعلى اية حال فان الخلاف مع الاكراد فكرة سيئة لما تنطوي عليه من مردودات سلبية على الحكومة الاتحادية على كافة الاصعدة الامنية، والاقتصادية والسياسية لعدة أسباب:
منظومة دولية
اولا. للأكراد علاقات لا يستهان بها مع دول فعالة في المنظومة الدولية مثل الولايات المتحدة، فلقد قام الاكراد ببناء لوبي قوي في واشنطن بدءاً منذ عام 1991على سبيل المثال (زمالة مصطفى البارزاني) التي هي منحة تدريس طلاب اكراد وأميركيان سنويا في الجامعة الاميركية في واشنطن، يتخرج من هذه الزمالة طالبي ماجستير سنويا في تخصص العلاقات الدولية (الشأن الكردي تحديدا) ساهم هذا في خلق لوبي بحثي في المقام الاول. انتهى المطاف بهؤلاء الخريجين ان يعملوا في المعاهد البحثية للترويج الى القضية الكردية، وتوطيد علاقاتهم مع اصحاب النفوذ في الكونغرس والبيت الابيض عن طريق مجموعة من السياسيين السابقين من سفراء وصحافيين ورجال اعمال مما قوى موقفهم مع تركيا من جهة والمحيط العربي من جهة اخرى. على عكس الحكومة الاتحادية التي فشلت فشلاً ذريعاً في مجال الدبلوماسية العامة وخلق (لوبي) عراقي في واشنطن لدعم مواقفها وخلق علاقة يثق بها الأمريكان والدليل على ذلك هو تصريحات بعض المسؤولين الأميركيان فيما يخص مستشاري رؤساء الوزراء المتعاقبين ووصفهم بالجهلة
ثانيا: على المستوى الاقليمي حسن الاكراد وبصورة مبهرة علاقتهم مع تركيا، العدو التاريخي للأكراد، والعضو الفعال في حلف الناتو والدولة الاقليمية المهمة المجاورة للإقليم، والتي دخلت بصورة قوية عن طريق شركاتها الاستثمارية في الاقليم خاصة بعد التسهيلات الكبيرة التي اعطتها حكومة الإقليم في ذات الوقت ظلت الحكومة الاتحادية تعتمد دائما على اللجوء الى الأمريكان كلما ساءت العلاقة مع تركيا للتوسط او الضغط على الاتراك لحلحلة الوضع. لا يعني هذا بالطبع ان السياسة التركية هي سياسة حسن نوايا تجاه الحكومة الاتحادية ولكن اذا نجح الاكراد في كسب تركيا العدو التاريخي, فهل من الصعب على الحكومة الاتحادية بناء علاقات ايجابية مع تركيا؟
ثالثا: النقطة الأخرى هي تفاعل الاكراد على المستوى الشعبي مع قياداتهم، حتى وان كانت هذه القيادات على خطآ عندما يصل الخلاف مع الحكومة الاتحادية حول ما يسمونه حقوق الامة الكردية او المساس بالأمن القومي الكردي، على عكس الاحزاب الشيعية والسنية المتنافسة علي كيكة العراق ولا تهمهما فكرة الوطن
رابعا: اختلاف مفهوم المواطنة عند الاكراد عنه بالنسبة للعرب الشيعة والسنة، ففي الوقت الذي يدافع الاكراد وبشراسة سواء علي المستوى الشعبي او السياسي عن فكرة كردستان الوطن، نرى صراعاً دموياً ونفسيا بين الشيعة والسنة على الحكم والثروة.
خامساً: أحاط رؤساء الوزراء المتعاقبين أنفسهم بمجموعة كبيرة من المستشارين منهم بعثيون سابقون وقسم اخر كانوا يعملون في السر لصالح المخابرات العراقية في العهد السابق، ولسوء حظ العراق فان هؤلاء المستشارين وكما قال عنهم جون كيري وزير الخارجية الاميركي هم من الجهلة. هذا على عكس القيادات الكردية التي استقدمت دماء جديدة من اولادهم الذين درسوا وتعلموا فن السياسة في الغرب (يجب التنويه هنا الى ان السيد مسعود البرزاني تعامل مع المناضلين السابقين بذكاء حينما اعطاهم مناصب فخرية او منحاً مالية حتى لا يحسوا بالغبن او التهميش اخيرا اود التنويه هنا وكلامي موجه السوداني ان بناء الدولة لا يقوم على الولاء والصداقات القديمة، بل على الكفاءات وحس المواطنة، وللآسف لا توجد هاتان الصفتان في اغلب مسؤولي الدولة العراقية الجديدة. هنيئا للأكراد ومن لا يقتنع بهذا الكلام ليذهب الى اربيل ويرى
{ باحث في شؤون الدبلوماسية العامة والاقتصاد السياسي