ما قَبل الهُوِيَّتَينْ… التنوّع الإثني–البشري في سوريا قبل البناء الدولتي والقومي — قراءة في مراسلات حسين–مكماهون ومذكّرة وجهاء العلويين
عبد الرحمن كلو
مدخل:
في أسبقية المعطى على البناء
يَجري النقاشُ السياسي حول سوريا، في أغلب الأحيان، على فرضيةٍ ضمنية لا يَتنبّه إليها كثيرٌ من المتحاورين: أن ثمّة «هويةً سورية جامعة» و«هويةً قومية عربية» سابقتين على الكيان السياسي، تُشكّلان الأرضيةَ الطبيعية التي يَطرأ عليها كلُّ نقاشٍ عن «الخصوصيات» — الكوردية أو العلوية أو الدرزية أو السريانية. وفي هذا الإطار يَبدو الكورديُّ أو السريانيُّ أو العلويُّ — إذ يُطالب بالاعتراف بخصوصيته — كأنه يَنشقّ عن «وحدةٍ» قائمة، فيُحمَّل عبء التبرير قبل أن تُسأل تلك الوحدةُ المفترضة عن مَصدر دعواها.
هذه الفرضيةُ الضمنية — أن «الهويتين السورية والعربية» معطًى سابق — تُفنّدها الوثائق التاريخية ذاتها. فالهوياتُ الحديثة الجامعة (الدولتية والقومية) ظواهرُ بناءٍ سياسي لاحقة، لا معطياتٌ طبيعية موروثة ؛ وما سَبقها — في الشام تحديدًا — كان تنوّعًا إثنيًا–بشريًا من هوياتٍ محلّية إثنية ودينية وإقليمية، تَنتظم على أساس الملّة والعشيرة والإقليم لا على أساس قومي حديث . والمفارقةُ التي تُثبتها الوثائقُ أن «الفكرة السورية» نفسها لم تَنبثق من السكّان بوصفهم كيانًا سياسيًا، بل من نخبٍ مسيحية شامية في القرن التاسع عشر، ثم استَوت تدريجيًا في الخطاب قبل أن تَصير إطارًا دولتيًا بعد 1920 .
تَنطلق هذه الدراسة من أطروحةٍ مركزية تَتلخّص في: الهويات المحلّية–التاريخية هي المعطى السابق، والهوية السورية الجامعة هي البناء اللاحق. ومَن يَطالب اليوم بالاعتراف بخصوصيته الكوردية أو العلوية أو السريانية إنما يَستعيد حقيقةً سابقة طُمست بقرارٍ سياسي، لا يَختلق دعوى مستحدثة. ولإثبات هذه الأطروحة، تَستحضر الدراسةُ شاهدَين وثائقيَّين متباعدَين زمنيًا ومذهبيًا — مراسلات حسين–مكماهون (1915–1916)، ومذكّرة وجهاء العلويين إلى ليون بلوم (1936) — يَلتقيان رغم تناقض موقعيهما على معطًى واحد: غياب «الكتلة العربية السنّية الجامعة» في وعي زمانها.
أولًا: الإطار النظري — قبل القومية كانت الملّة
الهوياتُ القومية الحديثة، كما أرسى أندرسون وهوبزباوم في الأدبيات الكلاسيكية، ظواهرُ صياغةٍ سياسية–ثقافية ترتبط بنشوء الدولة الحديثة والمطبعة والتعليم الموحَّد . ولم تَدخل المنطقةُ العربية في طورها القومي الجامع قبل أواخر القرن التاسع عشر، ولم يَستقرّ هذا الطورُ سياسيًا قبل عشرينيات القرن العشرين. وقبل ذلك، كان الإطار المُهيمن في الشرق العثماني هو نظام الملل: تقسيمُ السكّان إلى مجتمعات دينية–مذهبية ذات إدارةٍ داخلية مستقلّة في الأحوال الشخصية والتعليم والقضاء الأهلي . وضمن هذا النظام كان «المسلم السنّي» في حلب يَنتمي إلى ملّةٍ تَجمعه بمسلمي إستانبول لا بمسيحيي حلب الذين يَعيشون في الحارة المجاورة؛ وكان «المسيحيُّ السرياني» يَنتمي إلى ملّةٍ تَجمعه بسريان طور عبدين لا بمسلمي بلدته؛ وكان «العلويُّ» يَنتمي إلى ملّةٍ–طائفة لها كهنوتها وتقاليدها وعزلتها الجبلية.
ولهذا يَكتب المؤرّخ مارتن كرامر، في وصفه للمجتمعات الشامية قبل 1920، أن «معظم السكّان في تلك المجتمعات المُجزّأة لم يَعتادوا تصنيف أنفسهم بوصفهم عربًا. وكما كان الحال في العهد العثماني، ظلّوا يُصنّفون أنفسهم بحسب الدين والمذهب والنسب: مسلمين أو مسيحيين، سنّةً أو شيعةً، موارنةً أو دروزًا، أعضاءَ في هذه العشيرة أو تلك، في هذه القرية أو ذاك الحيّ» . هذا التوصيفُ ليس انطباعًا مؤرّخ، بل وصفٌ بنيوي لمنطق الانتماء قبل القومية: انتماءٌ متعدّد الطبقات (دين، مذهب، عشيرة، إقليم، حيّ) لا منفتحٌ على فضاءٍ قومي شامل.
ثانيًا: المشهد البشري قبل 1920 — تنوّع لا كتلة
لِفَهم ما تَكشفه الوثيقتان التاليتان، لا بدّ من استرجاع المشهد البشري لـ«الشام» قبل لحظة البناء الدولتي. فالمنطقة التي رُسمت لها حدودُ «سوريا» الانتدابية، ثم حدودُ «الجمهورية العربية السورية» لاحقًا، كانت — في وعي قاطنيها وفي توصيف المؤرّخين — تنوّعًا إثنيًا–بشريًا مركّبًا لا كتلةً متجانسة:
الشمال: الكورد والآراميون والأرمن
امتدّ المجال الكوردي عبر الشمال السوري، من جبل الأكراد (كُرد داغ / عفرين) غربًا، إلى عين العرب (كوباني) في الوسط الشمالي، إلى الجزيرة العليا شرقًا. وقد وثّقت الكارتوغرافيا الأوربية في القرن التاسع عشر هذا المجال بدقّة — كما هو شأن خريطة ماكس بلانكنهورن لشمال سوريا (نحو 1899) — ورصدت التسميةَ التاريخية «جبل الأكراد» (Kurd Dagh) ككيانٍ تضاريسي–بشري قائم . والحياةُ الاقتصادية لكُرد داغ ارتبطت تاريخيًا بمدينة حلب لا بدمشق، فكانت حلب — في الواقع — مدينةً متعدّدة المجالات الجواريّة، يُحيط بها فضاءٌ كورديٌّ ممتدّ في الشمال.
ولِنُضِفْ إلى ذلك أن «المملكة السورية المتّحدة» التي أعلنها المؤتمر السوري العامّ بقيادة الأمير فيصل في دمشق في آذار 1920 لم تَعمّر سوى أربعة أشهر قبل أن يَدخل الجيش الفرنسي دمشق ويُنهي مشروعها . أيْ أن «الكيان السوري الجامع» لم يكن واقعًا قائمًا تَنفصل عنه الخصوصيات، بل دعوى لم تَستقرّ سياسيًا أصلًا. وهذا هو الواقع التاريخي الذي تَطمسه السرديةُ القومية العربية اللاحقة حين تُقدّم نفسها بوصفها «استعادةً لوحدةٍ طبيعية مفقودة».
سادسًا: الاستخلاص — الهويات المحلّية معطًى، والهويتان الجامعتان بناء
التمييزُ بين «المعطى» (datum) و«البناء» (construct) في تحليل الهويات تمييزٌ مركزي في علم الاجتماع السياسي المعاصر . والمعطى ما كان قائمًا بالفعل في الوعي الجمعي للمجتمعات قبل قيام المشروع السياسي الموحِّد؛ والبناء ما صاغته السلطةُ السياسية اللاحقًا لتوحيدِ ما كان متمايزًا. وما تُثبته الوثيقتان أعلاه، مع المشهد البشري الذي سَبق استعراضه، هو أن:
• المعطى السابق: الهويات المحلّية–التاريخية (الكوردية في الشمال، السريانية–الآرامية في حلب وشمالها، العلوية في الجبال، الدرزية في حوران، الإسماعيلية في مصياف، المارونية في الجبل، السنّية المدينية في الداخل)، وكلّها كانت تَنتظم على أساس الملّة والإقليم والعشيرة لا على أساس قومي.
• البناء اللاحق: الهوية السورية الدولتية (من 1920 فصاعدًا، عبر الانتداب)، ثم الهوية القومية العربية (من 1947 فصاعدًا، عبر حزب البعث ثم اتّحاد الجمهوريات العربية)، وكلتاهما مَشروعان سياسيان أُسقطا على التنوّع السابق لا انبثقا منه.
والنتيجةُ المنهجية لهذا التمييز بالغةُ الأهمّية في النقاش السياسي السوري المعاصر: فمَن يُطالب اليوم بالاعتراف بخصوصيته الكوردية، أو يَستعيد ذاكرتَه السريانية، أو يَتمسّك بخصوصيته العلوية أو الدرزية، لا يُفكّك دولةً «طبيعية»، بل يَستعيد ما كان معطًى قائمًا قبل أن يُطمس بقرارٍ سياسي. وعبءُ التبرير، في علم التاريخ، يَقع على البناء اللاحق لا على المعطى السابق . ومن ثَمّ يَنقلب السؤالُ المعتاد رأسًا على عقب: ليس السؤال «بأيّ حقٍّ يُطالب الكوردي بالاعتراف بخصوصيته؟»، بل «بأيّ حقٍّ تُطالب الهويةُ السورية–العربية الجامعة بإلغاء الخصوصيات التي سَبقتها وثائقيًا بقرونٍ في الوجود وبعقودٍ في الاعتراف الدولي؟».
خاتمة: في إعادة ترتيب السؤال
لا تَهدف هذه الدراسة إلى نقض «الكيان السوري» بوصفه واقعًا سياسيًا قائمًا — فالكيانات الحديثة، حين تَستقرّ عقودًا، تَكتسب شرعيةً واقعية لا تُنكَر. لكنّها تَهدف إلى ضبط النقاش المنهجي حول هذا الكيان: شرعيتُه واقعية لا تاريخية–طبيعية. وكلُّ ما يَترتّب على ذلك من حقوق المجتمعات التي سَبقته وجوديًا — وفي مقدّمتها المجتمع الكوردي في شمال البلاد وغربها — لا يُمكن أن يَسقط بدعوى «وحدةٍ قومية» لم تَكن قائمةً وقتَ تكوّن تلك المجتمعات.
وحين نَستحضر، في الخلفية، الفصلَ الذي خصّصناه لخريطة ماكس بلانكنهورن لجبل الأكراد (نحو 1899)، تَكتمل عناصرُ الحجّة: فالكورد في غرب سوريا كانوا موثَّقين كارتوغرافيًا قبل قيام الكيان السوري بأكثر من عشرين عامًا، ومُستثنَين دبلوماسيًا من «المنطقة العربية الخالصة» في 1915، وضمن التنوّع البشري الذي حاولت دويلات الانتداب الاعترافَ بها عام 1920. والاعترافُ بخصوصيتهم اليوم ليس استحداثًا، بل استعادةٌ متأخّرة لمعطًى موثّق.
ذلك، في التحليل الأخير، هو فحوى عبارة مكماهون: «ليست عربية خالصة». وهو أيضًا فحوى عبارة وجهاء العلويين: «شعبٌ يَختلف في الدين والأخلاق والتاريخ». وهو فحوى الخارطة التي أعدّها بلانكنهورن قبل قرنٍ وثلث: كُرد داغ — جبل الكورد — موضعٌ له اسمُه، وله أهلُه، وله تاريخه. الوثائقُ شهدت قبل أن تَأتي السياسةُ لتُلغي ما شَهدت به الوثائق.
ثبت المراجع
أولًا — الإطار النظري
• Anderson, Benedict (1983). Imagined Communities: Reflections on the Origin and Spread of Nationalism. London: Verso.
• Brubaker, Rogers & Cooper, Frederick (2000). “Beyond ‘Identity’.” Theory and Society, 29(1), 1–47.
• Hobsbawm, Eric & Ranger, Terence (eds.) (1983). The Invention of Tradition. Cambridge University Press.
• Kramer, Martin. “Arab Nationalism: Mistaken Identity.” (مقالة محكَّمة منشورة على موقع المؤلِّف الأكاديمي).
ثانيًا — الدراسات التاريخية المتخصّصة
• Antonius, George (1938). The Arab Awakening. London: Hamish Hamilton.
• Friedman, Yaron (2023). “The Separatist Alawi Petition to the French Prime Minister Léon Blum (1936): Reliability, Background and Aftermath.” Middle Eastern Studies.
• Fuccaro, Nelida (2003). “Kurds and Kurdish Nationalism in Mandatory Syria: Politics, Culture and Identity.” In A. Vali (ed.
[01/06/2026 12:30 ص] توفيق التونجي: ), Essays on the Origins of Kurdish Nationalism, Costa Mesa: Mazda Publishers, pp. 191–217.
• Joseph, John (1983). Muslim-Christian Relations and Inter-Christian Rivalries in the Middle East. Albany: SUNY Press.
• Khoury, Philip S. (1987). Syria and the French Mandate: The Politics of Arab Nationalism, 1920–1945. Princeton University Press.
• Talhamy, Yvette (2009). “The Nusayri Leader Isma‘il Khayr Bey and the Ottomans (1854–58).” Middle Eastern Studies, 44(6), 895–908.
• White, Benjamin Thomas (2011). The Emergence of Minorities in the Middle East: The Politics of Community in French Mandate Syria. Edinburgh University Press.
• Winter, Stefan (2016). A History of the ‘Alawis: From Medieval Aleppo to the Turkish Republic. Princeton University Press.
• Winter, Stefan (2016). “The Asad Petition of 1936: Bashar’s Grandfather Was Pro-Unionist.” Syria Comment, 14 June 2016.
• Zachs, Fruma (2005). The Making of a Syrian Identity: Intellectuals and Merchants in Nineteenth Century Beirut. Leiden: Brill.
ثالثًا — الوثائق الأرشيفية
• Correspondence between Sir Henry McMahon, His Majesty’s High Commissioner at Cairo, and the Sherif Hussein of Mecca, July 1915–March 1916. British Command Paper Cmd. 5957, Miscellaneous No. 3 (1939).
• Pétition des notables Alawi au Président du Conseil français Léon Blum, 15 juin 1936. Archives Diplomatiques Françaises, SDN 242QO Pétition 598.
رابعًا — الإحالات الداخلية للمؤلِّف
• عبد الرحمن كلو. «في الفرق بين الوطن والأمّة والقومية والشعب والدولة: مراجعة نقدية لمفاهيم نمطية في الخطاب السياسي العربي».
• عبد الرحمن كلو. «ماكس بلانكنهورن وخريطة شمال سوريا: توثيقٌ كارتوغرافي ألماني لـجبل الأكراد في أواخر العهد العثماني (نحو 1899)»، فصلٌ ضمن مشروع: كوردستان في الكارتوغرافيا الأوربية.
يمكن قراءة الدراسة من الروابط التالية :
https://m.ahewar.org/s.asp?aid=918843&r=0
أو من الرابط :