العدوانية لدى الطفل.. قراءة في الجذور ومسارات العلاج

 

صباح الصافي

التَّربية الواعية لا تسعى إلى كبح الطِّفل بقدر ما تهدف إلى تهذيبه، ولا تعمل على إخماد طاقته؛ وإنَّما على توجيهها، بحيث يتحوَّل الغضب من قوةٍ مدمِّرة إلى طاقةٍ منضبطة، ويتحوَّل الاندفاع إلى وعي، وردَّة الفعل إلى اختيارٍ مسؤول. وفي هذا المسار، تظهر قيمة الرَّحمة بوصفها أساس الإصلاح، والحكمة بوصفها…

لا تقتصر بعضُ الاضطرابات السُّلوكيَّة لدى الطِّفل على دائرة الفرد أو الأسرة؛ ولكن تتجاوز في امتداداتها الدَّوائر المحيطة، كشبكة الأرحام والجيران، وقد تتَّسع لتطال المحيط الاجتماعي الأوسع الذي يتحرَّك فيه الطِّفل. ومن بين هذه الاضطرابات، تبرز العدوانيَّة بوصفها ظاهرةً ذات أبعادٍ نفسيَّة وتربويَّة واجتماعيَّة متشابكة، تُثقل كاهل الوالدين، وتضعهم أمام تحدياتٍ مركَّبة تتراوح بين المعالجة التَّربويَّة الدَّاخليَّة والتَّعامل مع التَّداعيات الخارجيَّة.

فالطِّفل العدواني يكشف -في كثير من الأحيان- عن خللٍ في أنماط التَّنشئة والتَّفاعل الأسري، وقد يكون انعكاسًا لتجارب سابقة مشحونة بالتَّوتر أو الإهمال أو التَّناقض في أساليب التَّربية. ومع تكرار هذا النَّمط، تتحوَّل العدوانيَّة إلى مصدر احتكاكٍ دائم مع الآخرين، سواء داخل العائلة الممتدَّة أو في الوسط الاجتماعي، الأمر الذي قد يفضي إلى أضرارٍ ماديَّة أو معنويَّة تستدعي أحيانًا التَّعويض المادِّي، أو تُفضي إلى توترات تقود إلى تآكل بعض الرَّوابط الاجتماعيَّة أو انقطاعها.

وعليه، فإنَّ التَّعامل مع ظاهرة العدوانيَّة لدى الأطفال يتطلَّب فهمًا عميقًا لجذورها، ووعيًا بآثارها المتعديَّة، بحيث يُنظر إليها باعتبارها ظاهرةً ذات امتدادات اجتماعيَّة، تستدعي تدخلًا تربويًّا واعيًا يوازن بين التَّقويم السُّلوكي، والدَّعم النَّفسي، وإعادة بناء أنماط التَّفاعل داخل الأسرة وخارجها.

المحور الأوَّل: التَّعريف والأشكال

تُعرَّف العدوانيَّة بأنَّها نمط من السُّلوك الهادف إلى إيقاع الأذى بالآخر، سواء اتَّخذ هذا الأذى طابعًا مباشرًا كالإيذاء الجسدي، أم غير مباشر كالإهانة اللفظيَّة أو التَّحقير. ويمتد ليشمل الدَّوافع الكامنة والعمليات الانفعاليَّة والمعرفيَّة التي تسبق السُّلوك وتُشكِّله، الأمر الذي يجعل العدوانيَّة ظاهرة متعدِّدة الأبعاد تتداخل فيها العوامل الفرديَّة والبيئيَّة.

وتتجلَّى العدوانيَّة لدى الأطفال في صورٍ متباينة، يمكن رصد أبرزها ضمن ثلاثة أنماط رئيسة:

أوَّلًا. العدوان الجسدي

وهو أكثر الأشكال وضوحًا؛ حيث يتجسَّد في إلحاق الضَّرر البدني بالآخرين، كالضَّرب والدَّفع وإتلاف الممتلكات في بعض الأحيان. ولا ينحصر هذا السُّلوك في التَّفاعل مع أقران الطَّفل فحسب، فقد يمتدُّ ليطال أفرادًا أكبر سنًّا، بما يعكس غياب التَّمييز العمري أو الاجتماعي في توجيه السُّلوك العدواني. وفي بعض الحالات المتطرفة، قد يتَّخذ هذا النَّمط طابعًا أكثر خطورة باستخدام أدوات حادَّة أو وسائل مؤذية، وهو ما يكشف عن خللٍ كبير في منظومة الضَّبط السُّلوكي والتَّنشئة.

ثانيًا. العدوان اللفظي

ويتمثَّل في استخدام اللغة بوصفها أداة للإيذاء، من خلال السباب، والألفاظ النَّابية. وغالبًا ما يرتبط هذا الشكل بالسِّياق البيئي الذي ينشأ فيه الطِّفل، وتزداد حدَّته في البيئات التي تُتداول فيها المفردات الخشنة بوصفها جزءًا من التَّفاعل اليومي، ممَّا يرسِّخ لدى الطِّفل نماذج لغويَّة سلبيَّة يعيد إنتاجها في علاقاته.

ثالثًا: العدوان النَّفسي

ويظهر في صورة الاستحقار، والاستهانة بالآخر، والنَّيل من كرامته أو التَّقليل من شأنه. ويُعدُّ هذا النَّمط من أخطر الأشكال على المدى البعيد، وقد يتطوَّر تدريجيًّا ليؤسِّس لأنماط من التَّمييز أو النَّزعات الإقصائيَّة، خصوصًا إذا لم يُعالج في مراحله المبكرة.

المحور الثَّاني: منشأ العدوانيَّة

تنقسم أسباب العدوانيَّة على قسمين، ويمكن تصنيف أسباب العدوانيَّة – من حيث المصدر- إلى مناشئ ذاتيَّة، وأخرى خارجيَّة.

النَّوع الأوَّل: المناشئ الذَّاتيَّة

ويُقصد بالمناشئ الذَّاتية تلك العوامل التي تنبثق من داخل نفس الطِّفل، سواء أكانت مرتبطة بدوافع فطريَّة، أم بحالات انفعاليَّة، أم باستعدادات كامنة قد تتفاعل مع البيئة المحيطة. ومن أبرز هذه المناشئ ما يأتي:

  1. نزعة التَّملُّك

وهي من الغرائز الأصيلة في التَّكوين الإنساني؛ حيث يميل الفرد بطبيعته إلى حيازة الأشياء والاحتفاظ بها. غير أنَّ هذه النَّزعة، إذا تجاوزت حدودها المعتدلة ولم تُهذَّب ضمن إطارٍ تربوي، قد تنقلب إلى مصدرٍ للسُّلوك العدواني، فيسعى الطِّفل إلى الاستحواذ على ما بيد الآخرين بالقوَّة أو الإيذاء. وتشتدُّ حدَّة هذه النَّزعة لدى الأطفال الذين يعيشون حالات حرمان مادِّي؛ إذ تتحوَّل الحاجة إلى دافعٍ ضاغط يدفع نحو سلوكيات غير منضبطة.

  1. الإحباط والشُّعور بالنَّقص

الإحباط من أبرز العوامل المولِّدة للتَّوتر، وعندما يعجز الطِّفل عن التَّعبير عن هذا التَّوتر بطرق سوية، قد يلجأ إلى العدوان بوصفه وسيلةً تعويضيَّة لإثبات الذَّات أو تفريغ الشُّحنة الانفعاليَّة. ويرتبط بذلك الإحساس بالنَّقص، الذي قد يتولَّد عن المقارنة بالآخرين أو عن تجارب فشل متكرِّرة، ممَّا يفضي إلى نشوء الغيرة، التي تتحوَّل – في حال غياب التَّوجيه – إلى سلوك عدواني موجَّه نحو المحيط.

  1. الاستعدادات الوراثيَّة

تفترض بعض الدِّراسات وجود قابلية موروثة قد تجعل بعض الأطفال أكثر ميلًا إلى السُّلوك العدواني مقارنة بغيرهم، حتَّى في حال عدم توافر العوامل البيئيَّة الضَّاغطة. ولا يعني ذلك حتميَّة السُّلوك؛ بل يشير إلى قابلية تحتاج إلى توجيهٍ واعٍ واحتواءٍ تربوي دقيق، يمنع تحوّلها إلى نمطٍ ثابت.

  1. العوامل البدنيَّة والمرضيَّة

تُظهر بعض الدِّراسات أنَّ بعض الاضطرابات الجسديَّة أو الحالات المرضيَّة المزمنة قد ترتبط بارتفاع مستوى التَّهيُّج والانفعال لدى الطِّفل، الأمر الذي يجعله أكثر قابلية للاستثارة وأسرع استجابة للمثيرات السلبيَّة. ولا يكون السُّلوك العدواني في هذه الحالة تعبيرًا عن قصدٍ واعٍ للإيذاء بقدر ما هو انعكاسٌ لحالةٍ مضطربة يفرضها الألم أو الإرهاق أو الخلل العضوي. لذلك، فإنَّ فهم هذا النَّمط يتطلَّب قراءةً تراعي البعد الصحي إلى جانب البعد النَّفسي، بما يمنع إساءة تفسير السُّلوك أو التَّعامل معه بوصفه انحرافًا إراديًّا خالصًا.

  1. العزلة النَّاشئة عن الرَّفض الاجتماعي أو الأسري

الإقصاء من الجماعة أو الحرمان من القبول العاطفي أحد العوامل في تشكيل الاضطرابات النَّفسية لدى الطِّفل؛ فالطِّفل الذي يُواجَه بالرَّفض أو التَّهميش، سواء داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي، قد يطوّر أنماطًا من العزلة تتراكم معها مشاعر الألم والحرمان، لتتحوَّل تدريجيًّا إلى توترات مكبوتة تبحث عن منفذٍ للتَّفريغ، وغالبًا ما يظهر ذلك في صورة سلوك عدواني غير منضبط.

النوع الثَّاني: المناشئ البيئيَّة والتَّربويَّة

ترتبط العدوانيَّة لدى الطِّفل، في كثير من مظاهرها، بالسِّياق البيئي والتَّربوي الذي ينشأ فيه، وتتفاعل الخبرات اليوميَّة مع المنظومة النَّفسيَّة لتُنتج أنماطًا سلوكيَّة قد تميل إلى العنف أو الاعتداء. ولا يمكن فهم هذا النَّمط بمعزل عن طبيعة العلاقات داخل الأسرة، ونوعيَّة الرَّسائل التي يتلقاها الطِّفل من محيطه القريب والبعيد. ومن أبرز هذه المناشئ ما يأتي:

  1. الاضطراب النَّاتج عن بيئةٍ أسريَّة يسودها التَّوتر والقسوة

ينعكس أسلوب التَّعامل القائم على العنف اللفظي أو الجسدي على التَّوازن النَّفسي للطِّفل، فينشأ وهو يحمل أنماطًا من القلق وعدم الأمان. ومع تراكم هذه الخبرات، تتشكَّل لديه استجابات دفاعيَّة قد تتَّخذ صورة العدوان، بوصفه وسيلةً لحماية الذَّات أو التَّعبير عن الضيق النَّفسي. وقد نبَّه القرآن الكريم إلى ضرورة اعتماد اللين في الخطاب والتَّعامل، كما في قول الله (تبارك وتعالى): (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(1)، وهو توجيه يُظهر أثر الرِّفق في تهذيب السُّلوك وبناء التَّوازن النَّفسي.

  1. السَّعي إلى إثبات الوجود وجذب الانتباه

قد يلجأ الطِّفل إلى السُّلوك العدواني حين يشعر بالتَّهميش أو الإغفال داخل الأسرة أو في محيطه الاجتماعي؛ فالطِّفل، بطبيعته، يحتاج إلى الاعتراف بوجوده وتقدير ذاته، وعندما يُحرم من هذا الإشباع العاطفي، قد يحاول التَّعويض عبر سلوكيات لافتة، حتَّى وإن كانت سلبيَّة، ليؤكِّد حضوره في وعي الآخرين. وقد ورد عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): “مَنْ لَمْ يُحْسِنْ خُلُقَهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ قَرِينُهُ” (2)، وهو معنى يمكن تطبيقه على تربية الطِّفل، حيث إن غياب الإدارة الحكيمة لاحتياجاته النَّفسيَّة قد ينتهي إلى انحراف في سلوكه.

  1. التَّأثر بالمحتوى الإعلامي واللغوي

تُسهم المشاهد المتكرِّرة للعنف في البرامج والأفلام في تشكيل تصورٍ لدى الطِّفل بأنَّ العنف وسيلة مقبولة لتحقيق الأهداف، خصوصًا في ظلِّ غياب التَّوجيه أو الرّقابة. كما أنَّ اللغة التي يسمعها الطِّفل، إذا كانت مشحونة بالألفاظ الجارحة أو العدوانيَّة، تتحوَّل إلى مخزونٍ لغوي يعيد إنتاجه في تفاعلاته اليوميَّة. وفي هذا المجال، يؤكِّد القرآن الكريم على تهذيب الخطاب، كما في قوله (سبحانه): (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) (3)، في دلالةٍ على أنَّ الكلمة تمثِّل أداة بناءٍ للسُّلوك، وليست مجرَّد وسيلة تواصل.

  1. نموذج القدوة

سلوك الوالدين ومن يحيط بالطِّفل مرجع عمليٌّ يقتدي به في تشكيل أنماطه السُّلوكية. فإذا كان الطِّفل يشاهد في بيئته أنَّ الاعتداء يُستخدم وسيلةً لنيل المطالب أو فرض السَّيطرة، فإنَّ هذا النّموذج يترسَّخ في ذهنه بوصفه سلوكاً فعَّالًا ومشروعًا. ولا يقتصر تأثير القدوة على الوالدين؛ وإنَّما يشمل المعلمين والأقران وسائر الشَّخصيات المؤثِّرة في محيطه. وقد ورد عن الإمام جعفر الصَّادق (عليه السلام): “كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ؛ لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ وَالِاجْتِهَادَ وَالصَّلَاةَ وَالْخَيْرَ؛ فَإِنَّ ذلِكَ دَاعِيَةٌ” (4)، في إشارةٍ إلى أنَّ السُّلوك العملي أبلغ أثرًا من القول في توجيه الآخرين.

  1. طبيعة الألعاب والأنشطة التَّرفيهيَّة

ولا سيَّما في البيئة الرَّقميَّة المعاصرة، حيث ينجذب بعض الأطفال إلى الألعاب التي تقوم على العنف والقتل والصراع، ممَّا يضاعف لديهم الاعتياد على هذا النَّمط من السُّلوك ويُضعف حساسيتهم اتِّجاه آثاره. ومع التكرار، قد تنتقل هذه الأنماط من الفضاء الافتراضي إلى الواقع السُّلوكي، ما لم تُقابل بتوجيهٍ واعٍ يوازن بين التَّرفيه والتَّربية.

قد يعجبك ايضا