عرفان الداوودي
إن أخطر أنواع الفساد ليس الفساد الذي يرتكبه الموظف أو المسؤول التنفيذي فحسب، بل الفساد الذي يتسلل إلى المؤسسات الرقابية أو يضعف دورها، لأن سقوط الرقابة يعني فتح الأبواب أمام هدر المال العام، وإفلات المقصرين من المحاسبة.
منذ عام 2003 وحتى اليوم، أنفق العراق مئات المليارات من الدولارات، ومع ذلك ما زال المواطن يعاني من انهيار الخدمات، وتراجع الصناعة، وأزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم. والسؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت الأجهزة الرقابية طوال هذه السنوات؟ وأين نتائج تقاريرها؟ وكم مسؤولاً كبيراً تمت محاسبته بسبب هدر المال العام أو سوء الإدارة؟
إن ديوان الرقابة المالية مؤسسة دستورية وقانونية أُنشئت لحماية المال العام، وليس لإعداد التقارير وحفظها في الأدراج. فالتقارير الرقابية يجب أن تتحول إلى إجراءات ومساءلة وإحالة للمخالفات إلى الجهات المختصة، لا أن تبقى حبراً على ورق بينما يستمر الفساد في استنزاف ثروات العراقيين.
كما أن منح بعض الوزراء والوكلاء والمديرين العامين تقييمات مرتفعة، رغم تعثر مؤسساتهم واستمرار الإخفاقات، يثير علامات استفهام كبيرة حول معايير التقييم، ويستوجب مراجعة شاملة وشفافة، لأن النجاح لا يُقاس بالأوراق، بل بالإنجاز وحماية المال العام.
أما إذا وُجد موظف في جهاز رقابي لديه مصالح تجارية أو عائلية قد تؤدي إلى تعارض في المصالح مع طبيعة عمله، فإن ذلك يفرض على الجهات المختصة التحقق من الأمر وفق القانون، واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبت وجود مخالفة، حفاظاً على نزاهة المؤسسات وثقة المواطنين بها.
إن مجلس النواب، وهيئة النزاهة، والادعاء العام، مطالبون اليوم بمراجعة أداء المؤسسات الرقابية نفسها، لأن الرقابة ليست فوق القانون، ولا توجد مؤسسة أو مسؤول محصن من المساءلة.
إن الشعب العراقي لم يعد يطالب بالشعارات، بل يطالب بالمحاسبة الحقيقية، واسترداد الأموال العامة، وإنهاء ثقافة الإفلات من العقاب. فالدولة التي لا تُحاسِب المقصر، ولا تُصلح مؤسساتها الرقابية، تفتح الطريق أمام استمرار الفساد وإهدار حقوق المواطنين.
نسأل الله أن يحفظ العراق، وأن يوفق كل مسؤول نزيه، وأن يُظهر الحق ويُحاسب كل من يثبت القضاء والقانون تورطه في الإضرار بالمال العام، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بالعدالة، ولا تُصان إلا بالنزاهة وسيادة القانون .