* ماهين شيخاني.
كان السوق لا يظهر إلا يوم الجمعة.
لا أحد يعرف متى بُني، ولا من بناه، ولا كيف ظل قائماً رغم أن كل شيء حوله كان ينهار.
قالوا إن السوق قديم… قديم إلى درجة أن أول حجر فيه وُضع قبل أن يولد أول حزب، وقبل أن يخترع الناس أسماء الانقسامات.
في الصباح الباكر، خرج رامان من بيته قاصداً السوق.
كان يحمل في جيبه ورقة صغيرة كتب عليها بخط أبيه:
“إذا أردت أن تعرف مستقبل شعب، فلا تنظر إلى أعدائه… انظر إلى تجاره.”
ابتسم، وطوى الورقة، ومضى.
عند المدخل، استوقفه رجل عجوز يجلس خلف ميزان ضخم.
قال:
“ماذا تريد أن تشتري؟”
أجاب رامان:
“أبحث عن وطن.”
ابتسم العجوز.
ابتسامة من يعرف نهاية الحكاية.
قال:
“إذن… تأخرت كثيراً.”
دخل السوق.
الخيمة الأولى كتب عليها:
قسم البطولات التاريخية.
في الداخل، رجال يرتدون أوسمة أكثر من عدد معاركهم.
كل واحد يحكي كيف أنقذ الأمة.
لكن حين سألهم رامان:
“وأين الأمة الآن؟”
ساد الصمت.
الخيمة الثانية…
كانت أكبر.
اسمها:
دائرة الوحدة الوطنية.
في الداخل سبعة أبواب.
على كل باب لوحة:
“الوحدة تبدأ من هنا.”
لكن كل باب يؤدي إلى غرفة مختلفة، وفي كل غرفة لجنة جديدة لدراسة أسباب فشل اللجان السابقة.
أما الخيمة الثالثة…
فكانت تبيع الكراسي.
ليس أي كراسٍ.
كراسٍ مذهبة.
لكل كرسي شهادة.
مكتوب عليها:
“هذا الكرسي يتسع لزعيمين… بشرط ألا يجلس عليه الشعب.”
ضحك رامان.
قال البائع:
“لا تضحك.
هذه أكثر بضائعنا مبيعاً.”
تابع السير.
في منتصف السوق…
وجد بئراً.
قديمة جداً.
مغلقة بغطاء حجري.
اقترب.
قرأ اللوحة:
“بئر الوعود.”
سأل رجلاً يقف بجوارها:
“هل فيها ماء؟”
قال الرجل:
“لا.”
“إذن لماذا يجتمع الناس حولها؟”
قال:
“لأن كل زعيم يعدهم بأنه سيملؤها غداً.”
واصل السير.
الخيمة الأخيرة…
لم يكن عليها اسم.
دخل.
وجد امرأة عجوزاً.
كانت تصلح علماً ممزقاً.
بإبرة صغيرة.
وخيط أبيض.
سألها:
“أين حزبك؟”
رفعت رأسها.
ابتسمت.
وقالت:
“أنا لا أصلح الأحزاب…
أنا أصلح ما تمزقه.”
خرج رامان.
لكن السوق لم ينته.
في نهايته…
كان هناك مزاد علني.
وقف المنادي يصيح:
“نبدأ المزاد.”
“لدينا اليوم وطنٌ مستعمل.”
“من يزيد؟”
رفع أحدهم يده.
قال:
“أدفع نصف الحقيقة.”
رفع آخر يده.
“أدفع ذاكرة الناس.”
رفع ثالث يده.
“أدفع أسماء الشهداء.”
صفق الجميع.
بينما بقي الوطن على الطاولة…
دون مشترٍ.
أراد رامان أن يصرخ.
لكن صوته لم يخرج.
نظر حوله.
فاكتشف شيئاً مرعباً.
كل الذين في السوق…
بلا ظلال.
أما هو…
فكان الوحيد الذي يمشي وظله خلفه.
اقترب منه العجوز الذي قابله عند المدخل.
وقال بهدوء:
“هل عرفت الآن لماذا سُمّي هذا المكان سوق الظلال؟”
قال رامان:
“لا.”
قال العجوز:
“لأن من يبيع روحه…
يفقد ظله أولاً.”
ثم اختفى.
خرج رامان من السوق قبل الغروب.
وحين التفت خلفه…
لم يجد سوقاً.
ولا خياماً.
ولا بئراً.
ولا مزاداً.
كان المكان أرضاً جرداء.
وفي وسطها لوحة خشبية وحيدة.
اقترب منها.
قرأ العبارة الأخيرة:
“هنا كان يُباع الوطن…
حتى نفد المشترون، وبقي الباعة.”
عاد رامان إلى بيته.
فتح الورقة التي تركها له أبوه.
وقلبها.
فاكتشف أن في ظهرها جملة لم يكن قد قرأها من قبل:
“حين يصبح الوطن سلعة… لا تسأل من اشتراه، بل اسأل من علّم أبناءه أن البيع بطولة.”
وأحرق الورقة.
ليس لأنه رفض وصية أبيه…
بل لأنه أدرك أن النار أرحم من أن تقع تلك الكلمات في أيدي تجار السوق.
النهاية