من قلب المأساة إلى منارة للعطاء ( حكاية امرأة انتصرت على الفقد بالعلم والإنسانية )

اسعد الجوراني

في سنوات المحنة التي عصفت بالبلاد، حين ألقت الأحداث الطائفية بظلالها الثقيلة على المجتمع، تبدلت حياة هذه المرأة في لحظة واحدة. فقد اختطف العنف زوجها وشريك حياتها، لتجد نفسها وحيدة أمام مسؤولية تربية أطفالها وسط ظروف قاسية يملؤها الخوف وعدم اليقين.
لكنها رفضت أن تجعل المأساة نهاية الطريق. نظرت إلى أطفالها، واستمدت منهم قوة جديدة، وعاهدت نفسها أن تحوّل الألم إلى دافع، وأن تجعل من العلم طريقًا لبناء مستقبل يليق بهم.
وسط أعباء الحياة وبين مسؤوليات الأمومة وضيق الظروف، واصلت رحلتها الدراسية بإصرار نادر. تجاوزت مرحلة البكالوريوس، ثم نالت شهادة الماجستير، حتى توّجت سنوات كفاحها بالحصول على الدكتوراه في اللغة العربية. ولم تكن الدكتوراه بالنسبة إليها لقباً أكاديمياً فحسب، بل كانت شهادة انتصار على اليأس، ودليلاً حياً على أن الإرادة قادرة على هزيمة أقسى الظروف.
غير أن الحياة أبت إلا أن تمتحن صبرها مرة أخرى. فقدت ابنها الغالي الدكتور هشام الجوراني، الذي كان ثمرة كفاحها وأحد أكبر أحلامها. كان رحيله جرحًا بالغ العمق، يفوق في قسوته كل ما مرّت به من قبل.
ورغم هول الفاجعة لم تسمح للحزن أن يهزمها. حملت ذكرى ابنها في قلبها، وحوّلتها إلى رسالة خير وعطاء، لتبقى سيرته حاضرة في كل عمل إنساني تقدمه.
لأنها عرفت معنى الفقد وذاقت مرارة الترمل واليتم والخوف، أصبحت أكثر إحساسًا بآلام الآخرين. فتحت قلبها قبل يديها للأيتام والمحتاجين، وسخّرت جزءًا كبيرًا من وقتها وجهدها ومالها لخدمتهم.
لم يكن عطاؤها مقتصراً على المساعدات المادية، إنما كانت تمنح الأطفال الحنان والرعاية والشعور بالأمان، مؤمنة بأن الاحتضان الإنساني لا يقل أهمية عن الدعم المادي. كما سخّرت علمها وخبرتها في تعليم أبناء الفقراء والأيتام، إيماناً منها بأن التعليم هو الطريق الأصدق لتحرير الإنسان من الفقر والحرمان. لقد أدركت أن من يعرف الألم حقًا يكون الأقدر على التخفيف من آلام الآخرين.
واليوم تقف هذه السيدة الدكتورة الفاضلة حمدية الجوراني نموذجاً حياً للإرادة والوفاء والإنسانية. فقصتها ليست حكاية امرأة حصلت على شهادة الدكتوراه فحسب، بل هي قصة إنسان استطاع أن يحوّل الفقد إلى قوة، والدموع إلى أمل، والمعاناة إلى رسالة حياة، ليبرهن أن أعظم الانتصارات هي تلك التي يصنعها الإنسان على جراحه.

قد يعجبك ايضا