إبراهيم عاكف الآلوسي… طبيب الدولة ورجل المؤسسات في العراق الحديث

محمد علي محيي الدين

في محلة العاقولية، قرب جامع الحيدرخانة في قلب الرصافة البغدادية، وُلد إبراهيم عاكف الآلوسي عام 1898، في بيتٍ يفيض بالعلم والمكانة الاجتماعية والدينية، ينتمي إلى أسرة الآلوسي البغدادية الشهيرة التي تمتد جذورها إلى آل البيت عبر موسى المبرقع بن الإمام محمد الجواد عليه السلام. في هذا البيت الذي اجتمع فيه الإرث العلمي مع الحس الإداري، تفتحت ملامح شخصية ستصبح لاحقاً إحدى ركائز الدولة العراقية الحديثة في مجال الصحة والإدارة.
كان والده عاكف بك (1855–1917) من خريجي مدرسة البريد في بغداد، وقد تدرج في الوظائف الإدارية في الدولة العثمانية حتى شغل منصب قائمقام السماوة والشامية في الفرات الأوسط، حيث ترك أثراً عمرانياً ودينياً، من أبرزها بناء جامع الآلوسي في الشامية على ضفة الفرات. وقد انتهت حياته مأساوياً بعد أسره من قبل القوات البريطانية في سامراء، ليتوفى أثناء نقله إلى السجن في الهند، ويدفن في مدينة العمارة.

أما جده السيد عبد الباقي (1834–1881) فقد كان قاضياً ومعلماً للعلوم الفقهية والإسلامية، تقلد مناصب قضائية في مناطق متعددة من الدولة العثمانية، وترك مؤلفات في الفقه واللغة والقضاء. ويعود نسب الأسرة العلمي الأبرز إلى جده الأكبر أبو الثناء محمود شهاب الدين الآلوسي (1803–1854)، مفتي الحنفية في العراق وصاحب تفسير “روح المعاني”، أحد أهم التفاسير القرآنية في التراث الإسلامي.
في هذا الإرث العلمي والديني، نشأ إبراهيم، فدرس في المدرسة السلطانية ببغداد، ثم شد الرحال إلى إسطنبول ليدرس الطب في كلية حيدر باشا العسكرية، حيث تخرج عام 1921 ضابطاً طبيباً برتبة ملازم أول في الجيش العثماني. ومع قيام المملكة العراقية عاد إلى بغداد عام 1922 ليبدأ مسيرته الطبية في مصلحة الصحة العامة، معلناً بداية رحلة طويلة في خدمة الطب والإدارة والدولة.
تنقل في مناصب طبية وإدارية متعددة، فعمل طبيباً في مستشفى كربلاء بين 1923 و1926، حيث تخصص في الجراحة، ثم في مستشفى المجيدية ببغداد، قبل أن يتولى مناصب صحية عليا بدأت بمديرية صحة العمارة عام 1930، ثم مدير صحة العاصمة عام 1931، فمدير صحة البصرة، ثم رئيساً للمعاهد الصحية عام 1937، وصولاً إلى مدير عام الصحة عام 1939. ومع اتساع خبرته، أصبح مفتشاً عاماً للصحة العامة، ثم للشؤون الصحية والاجتماعية، قبل أن ينتقل إلى العمل الوزاري والدبلوماسي.
في عام 1944 اختاره رئيس الوزراء حمدي الباجه جي وزيراً للمعارف، فجمع بين العمل التنفيذي والتشريعي إذ انتُخب نائباً عن لواء بغداد في العام نفسه، واستمر في الوزارة حتى 1946. وبعد خروجه منها عاد إلى الإدارة الصحية العليا، ثم انتقل إلى السلك الدبلوماسي، فشغل منصب وزير مفوض في وزارة الخارجية، ثم سفيراً في دمشق وأنقرة، حيث رُفع إلى درجة سفير عام 1953، وظل في هذا المنصب حتى 1956. وبعد عودته إلى بغداد شغل منصب مدير عام الطب الوقائي، ثم آثر التقاعد في العام نفسه، قبل أن يُعيّن عضواً في مجلس الأعيان عام 1957، ليغادر الحياة العامة بعد أحداث 14 تموز 1958.
لم يكن الآلوسي طبيباً وإدارياً فحسب، بل كان أحد بناة المؤسسات المدنية الحديثة في العراق. فقد كان من مؤسسي الجمعية الطبية البغدادية التي تحولت لاحقاً إلى الجمعية الطبية العراقية، وتولى فيها أمانة الصندوق ثم نائب الرئيس، كما أسهم في تأسيس نقابة الأطباء، وجمعية حماية الأطفال، وجمعية مكافحة التدرن، وجمعية الهلال الأحمر العراقية، وجمعية الطيران المدني التي مهّدت لقيام مؤسسات النقل الجوي العراقية. كما كان من الداعمين لتأسيس الكلية الطبية الملكية العراقية، وشارك في التدريس فيها في مادة قانون وأخلاق الطب في بداياتها.
وإدراكاً منه لأهمية الكوادر الصحية الوسيطة، أسهم في تأسيس المعاهد الصحية وتطويرها، ثم تولى إدارتها العامة، في رؤية مبكرة لاحتياجات النظام الصحي الحديث في العراق. وقد نال تقديراً رسمياً رفيعاً، فحصل على وسام الرافدين المدني بدرجاته، إضافة إلى أوسمة من الهلال الأحمر وجمعية حماية الأطفال، تقديراً لدوره في العمل الإنساني والطبي والاجتماعي.
وفي حياته العائلية، امتد أثره العلمي إلى أبنائه، ومنهم الدكتور خليل إبراهيم الآلوسي، أستاذ علم الأمراض في كلية الطب بجامعة بغداد، الذي شغل مناصب علمية بارزة وأسهم في تطوير الباثولوجي في العراق، وله مؤلفات وبحوث علمية عديدة.
توفي إبراهيم عاكف الآلوسي في بغداد في تشرين الثاني عام 1985، في داره بالصليخ على ضفاف دجلة، حيث وُلد وترعرع، ليُدفن في مقبرة الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان في الأعظمية. ومع رحيله، طويت صفحة أحد أبرز وجوه الإدارة الطبية والدبلوماسية في العراق الحديث، ورجلٍ ساهم في بناء مؤسسات الدولة في لحظات تأسيسها الأولى، جامعاً بين العلم والإدارة والالتزام الوطني في سيرةٍ تستحق أن تبقى حاضرة في ذاكرة العراق.

قد يعجبك ايضا