العدالة المفقودة : انهاء تقاعد البرلمانین مجحف ام منصف؟

الباحث القانوني: رنج باراوي

عندما نتأفح صفحات تاريخ الحكم والتشريع في العراق، نرى بوضوح أن مفهوم التمثيل الشعبي كان في الأساس لخدمة الحقوق والمصالح العامة والدفاع عنها، لا لخلق طبقة غنية ومختلفة عن المجتمع. ولتفهّم حجم الاختلال الكبير الذي نراه اليوم في نظام رواتب وامتيازات البرلمانيين في العراق وإقليم كوردستان، لا بد من العودة إلى البدايات والنماذج التاريخية والعالمية الأصيلة، لنعرف كيف تحول مبدأ الخدمة العامة إلى امتياز خاص وطبقي.

مع تأسيس الدولة العراقية وصدور القانون الأساسي لعام ١٩٢٥، باشرت الدورة البرلمانية الأولى أعمالها في 16 تموز/يوليو ١٩٢٥، والتي كانت تتألف من مجلسي الأعيان والنواب. ورغم أن أعضاء هذا البرلمان كانوا يُنتخبون وفق قانون الانتخابات لعام ١٩٢٤، إلا أن حجم رواتبهم وامتيازاتهم لم يكن بأي حال من الأحوال في خدمة الثراء الفاحش. وبموجب المادتين (٣٨ و٣٩) من القانون الأساسي نفسه، كانت مكافآت أعضاء البرلمان تنظم بقانون خاص وكانت مقيدة للغاية؛ إذ تقتصر فقط على تغطية نفقات الإقامة والتنقل خلال فترة الاجتماعات، لا راتباً شهرياً دائماً وخيالياً يستمر حتى نهاية العمر.

إن نقطة بالغة الأهمية وتستدعي الانتباه في ذلك العصر هي أنه لم يكن هناك أي شيء اسمه تقاعد البرلماني؛ بمعنى أن الشخص الذي يصبح عضواً في البرلمان يتقاضى مكافأة مؤقتة، وبعد انتهاء دورته النيابية، كان عليه العودة إلى عمله ومهنته الأصلية. كما كانت الحصانة في ذلك العصر (التي نُص عليها في المادتين ٤١ و٤٢) مجرد درع لحماية حرية التعبير والرأي ضد السلطة التنفيذية، لا ضمانة لامتيازات مادية لا تنقطع.

مقارنة تاريخية ومالية: رواتب العصر الملكي مقابل العراق وإقليم كوردستان في العصر الحديث:

حين نقارن حجم رواتب ودخولات البرلمانيين في العصر الملكي بالوضع الحالي في العراق وإقليم كوردستان، نلمس فرقاً جوهرياً وعميقاً يعكس التغيّر التام في مسار الحكم:

قيمة الرواتب في العصر الملكي: في ذلك الزمن الذي كان فيه الدينار العراقي أقوى وأثمن عملة في العالم (استناداً إلى الذهب والمعايير الدولية)، كانت رواتب ومكافآت البرلماني بسيطة ومحدودة للغاية. على سبيل المثال، كان البرلماني يتقاضى آنذاك مبلغاً يتساوى أو يقارب معيشة موظف في درجة وسطى بالدولة، ولم يكن الغرض من العمل البرلماني ثراءً بأي شكل من الأشكال. فلم يكن الفارق بين راتب البرلماني وراتب المعلم أو الموظف العادي يتجاوز أضعافاً قليلة، وكان التوازن الاقتصادي هو السائد.

وضع الرواتب والامتيازات بعد عام ٢٠٠٣في العراق والإقليم:

على عكس العصر الملكي، تعرض نظام الرواتب والمالية في العراق وإقليم كوردستان بعد عام ٢٠٠٣لاختلال خطير. فبسبب قوانين مثل قانون رواتب وامتيازات أعضاء البرلمان، بلغت الرواتب الأساسية والمخصصات والمكافآت مستويات تفضع أضعاف مضاعفة لراتب معلم، أو موظف بدرجة دنيا، أو عامل. هذا الفارق الخيالي فصل طبقة للبرلمانيين عن المواطنين في أوقات الأزمات والجوع والعوز، وأوجد فجوة طبقية هائلة.
وحين ننظر إلى البلدان المتقدمة في العالم، مثل دول شمال أوروبا وسكاندينافيا كالسويد والنرويج وفنلندا، بل وحتى في بريطانيا وأمريكا، نجد أن البرلماني يُنظر إليه كخادم مؤقت للشعب. لا يوجد في هذه الدول أي شيء اسمه تقاعد سياسي وخاص بالبرلمانيين؛ بل يعودون بعد انتهاء دورتهم إلى مهنهم السابقة أو يُعاملون كأي مواطن عادي بناءً على صندوق التقاعد العام. إذن، فإن وجود التقاعد البرلماني في العراق وإقليم كوردستان يُعد ظاهرة شاذة، وغير عادلة، ومخالفة لكل مبدأ ديمقراطي لا أثر له في أي نظام صحي وعالمي.
إلى جانب ذلك، تجاوزت قضية المخصصات ونفقات السائق وحماية البرلمانيين الحدود المنطقية والقانونية. والمشكلة الأساسية هي أن البرلمان يخصص مبالغ طيالة لعشرات الحراس لكل برلماني، بينما تكون هذه الأسماء وهمية غالباً ولا وجود لحراس حقيقيين، وتذهب الأموال مباشرة إلى حساب البرلماني نفسه. هذا انتهاك قانوني صارخ يستوجب المساءلة الشديدة من قِبل هيئة النزاهة والمحاكم، لأنه لا يخلو من الظلم فحسب، بل يشكل هدراً واضحاً للمال العام في وقت يعاني فيه الموظفون من أزمات معيشية طاحنة ويكابدون شهرياً بسبب انعدام الرواتب والدخل.

من الناحية الدستورية والقانونية، تؤكد المادة (٦٣) من الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥ على تنظيم الرواتب والمخصصات، إلا أن قوانين مثل قانون برلمان كوردستان رقم (٢) لسنة ٢٠٠٤ وتعديلاته، فتحت الباب على مصراعيه لامتيازات بلا حدود. فسنوياً تذهب مئات مليارات الدينار من الموازنة العامة لرواتب ومخصصات وتقاعد البرلمانيين والدرجات الخاصة. وقد بلغ إجمالي الموازنة التقاعدية بعد عام ٢٠٠٣ مستويات قياسية بواقع عشرات تريليونات الدينار سنوياً، خُصص جزء هائل منها لأشخاص لم يقدموا أي خدمة رسمية حقيقية. ولو عاد هذا المبلغ إلى الخزينة العامة، لكان بالإمكان توظيفه في القطاعات الخدمية والنفقات التشغيلية لبناء المدارس والمستشفيات والطرق وتأمين رواتب الموظفين.

لذا، يقف برلمان العراق وبرلمان كوردستان اليوم أمام اختبار تاريخي وأخلاقي ووطني. وينبغي للسلطات والبرلمانيين إدراك أن إبقاء هذه الامتيازات غير العادلة لا يجلب سوى تفاقم الغضب الشعبي وابتعاد المواطنين أكثر فأكثر عن الثقة بالعملية السياسية.

النتائج المنطقية والتوصيات لإلغاء التقاعد البرلماني والحلول العملية التي أطرحها:

١. الإلغاء التام للتقاعد السياسي والبرلماني:
يجب أن يصدر برلمان العراق وبرلمان كوردستان بإجماع وأغلبية ساحقة مشروع قانون جريء يتم بموجبه رسمياً إلغاء تقاعد البرلمانيين والدرجات الخاصة، بحيث لا يحق لأي شخص العيش مدى الحياة على حساب الموازنة العامة لمجرد قضائه دورة تشريعية واحدة، على حساب حقوق المواطنين العاديين.

٢. ربط رواتب ومخصصات البرلمانيين بكبار موظفي الدولة:
وفقاً للقواعد القانونية المنطقية، ينبغي تقييد الرواتب والمخصصات الشهرية لأعضاء البرلمان بحيث لا تتجاوز بأي حال من الأحوال ثلاثة أضعاف راتب معلم أو طبيب أو موظف بمرتبة وسطى أو دنيا في الدولة، لكي يعود التوازن الاقتصادي الحقيقي والعدالة الاجتماعية بين طبقات وشرائح المجتمع.

٣. إلغاء المخصصات والنفقات الوهمية وأموال الحماية:
تتطلب الضرورة إجراء مساءلة قانونية ومالية صارمة ضد تخصيص أموال طائلة للسائق وعشرات الحراس الوهميين، وإلغاء كافة المخصصات المجحفة التي تذهب إلى الحسابات الخاصة للبرلمانيين، بحيث تُنظم النفقات البرلمانية حصراً للأعمال الرسمية وبمستندات مالية حقيقية.

٤. العودة لمبدأ العمل المؤقت والمهنة الأصلية بعد الدورة البرلمانية:
وكما هو متبع في النماذج الديمقراطية المتقدمة عالمياً وفي العصر الملكي، يجب أن يُنظر للبرلماني باعتباره خادماً مؤقتاً للشعب طوال مدة دورته، وبعد انتهاء مهمته، وبلا أي امتيازات تقاعدية خاصة، يعود إلى مهنته وعمله الأصلي ليُعامل كأي مواطن عادي.

٥. مبادرة البرلمانيين أنفسهم نحو الإصلاح الوطني:
من المفترض أن يكون البرلمانيون سبّاقين في تقديم مشاريع قوانين الإصلاح والتخلي عن امتيازاتهم، لأن الثقة الشعبية بالبرلمان لا تستعاد إلا عبر التضحية والتضامن الحقيقي مع آلام ومعاناة المعيشة الصعبة للمواطنين والطبقات الفقيرة.

٦. توجيه الأموال المدّخرة نحو القطاعات الخدمية الحساسة:
يجب تخصيص المئات من المليارات والتريليونات من الدينار التي ستعود إلى الخزينة العامة نتيجة إلغاء تقاعد وامتيازات البرلمانيين بقانون، لتطوير القطاعات الخدمية المهمة، مثل بناء المدارس والمستشفيات، وتوفير فرص العمل، والتوزيع العادل لرواتب كافة موظفي الدولة الحقيقيين.

المصادر والهوامش القانونية والتاريخية والدستورية:

١. القانون الأساسي لعام ١٩٢٥ (القانون الأساسي العراقي لعام ١٩٢٥):
الأساس الحقيقي: صدور القانون الأساسي والدورة البرلمانية الأولى للعراق التي عقدت جلستها الرسمية الأولى في ١٦تموز/يوليو ١٩٢٥.

٢. المادتان (٣٨) و(٣٩): تخصان تنظيم رواتب ومكافآت أعضاء مجلسي الأعيان والنواب بقانون خاص، بحيث تقتصر على نفقات التنقل والإقامة وقت الاجتماعات، دون وجود أي راتب دائم أو تقاعد.

٣. المادتان (٤١) و(٤٢): تتعلقان بالحصانة البرلمانية لحماية حرية التعبير والرأي داخل قبة البرلمان فقط في مواجهة السلطة التنفيذية.

٤. قانون الانتخابات البرلمانية العراقية لعام ١٩٢٤:
الأساس الحقيقي: الأسس القانونية لتشكيل الدورة البرلمانية الأولى في العراق وتحديد حدود مهام وحقوق النواب في العصر الملكي، حيث كان فارق الرواتب مقارنة بالموظفين العاديين ضئيلاً وعادلاً.

٥. دستور جمهورية العراق الفيدرالي لعام ٢٠٠٥:
الأساس الحقيقي: الدستور العراقي الذي أُقر في استفتاء عام شامل في تشرين الأول/أكتوبر ٢٠٠٥، ونُشر في جريدة الوقائع العراقية (العدد ٤٠١٢) في ١٢ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٠٥.

٦. المادة (٦٣): خاصة بتنظيم رواتب ومكافآت ومخصصات أعضاء مجلس النواب والدرجات الخاصة، والتي يجب أن تُنظم بقانون دون السماح بامتيازات غير عادلة أو الإخلال بالتوازن العام.

٧. قانون أعضاء برلمان كوردستان (القانون رقم ٢ لسنة ٢٠٠٤) وتعديلاته:
الأساس الحقيقي: أصدر برلمان كوردستان في تموز/يوليو ٢٠٠٤ القانون رقم (٢) لسنة ٢٠٠٤ (قانون أعضاء برلمان كوردستان)، والذي أصبح مع تعديلاته المتعاقبة في السنوات اللاحقة أساساً لمنح امتيازات وتقاعد مرتفع ومميز لأعضاء البرلمان مقارنة بالموظفين العاديين.

٨. النماذج الدستورية والإدارية العالمية (دول شمال أوروبا وسكاندينافيا):
الأساس الحقيقي: النظام البرلماني في دول مثل السويد والنرويج وفنلندا، حيث يُنظر إلى البرلماني كخادم مؤقت للشعب ولا يوجد أي تقاعد سياسي خاص ومميز عن المواطنين العاديين.

قد يعجبك ايضا