أسعد سعيد النائب… شاعر البساطة وصوت كركوك الذي لا يشيخ

محمد علي محيي الدين

في مدينة كركوك، تلك الحاضرة التي امتزجت فيها الثقافات وتجاورت فيها اللغات، وُلد أسعد سعيد النائب سنة 1900، ليكون واحدًا من الأصوات الأدبية التي عبّرت عن روح المكان بصدقٍ وعفوية، حتى غدا اسمه ملازمًا لذاكرة المدينة ووجدانها الشعبي. نشأ في بيئةٍ متعددة المشارب، فكان لذلك أثرٌ واضح في تكوينه الثقافي، إذ جمع بين أصالة الانتماء التركماني والانفتاح على محيطٍ متنوع، ما أضفى على تجربته الأدبية طابعًا إنسانيًا قريبًا من الناس.

تلقّى تعليمه في المدرسة السلطانية العثمانية، حيث بلغ الصف الحادي عشر، وهي مرحلة كانت كفيلة بأن تمنحه أساسًا متينًا في اللغة والمعرفة، قبل أن ينصرف إلى مهنة التعليم، فيمارسها سنواتٍ طويلة، حتى تقاعد سنة 1963. ولم يكن التعليم بالنسبة إليه مجرد وظيفة، بل كان امتدادًا لرسالته في التبسيط والتقريب، وهي الفكرة التي ستلازمه لاحقًا في أدبه وشعره.

بدأت ملامح موهبته الأدبية تتفتح مبكرًا، حين نشر أولى قصائده في جريدة «النجمة» الصادرة في كركوك سنة 1920، فلفت الأنظار إلى صوتٍ جديد لا يتكلّف العبارة ولا يجنح إلى الغموض، بل يكتب كما يتحدث الناس، ويعبّر عمّا يشعرون به دون حواجز. ومنذ ذلك الحين، أخذ اسمه يتردد في الأوساط الأدبية المحلية، بوصفه شاعرًا قريبًا من القلوب، لا يسعى إلى الإبهار بقدر ما يحرص على الصدق.

وقد ظلّ هذا النهج ملازمًا له طوال مسيرته، فكان يقول عن رؤيته للأدب: «أنا بعيد عن الألغاز والتعقيد»، وهي عبارة تختصر فلسفته في الكتابة، إذ كان يرى أن الأدب رسالة تواصل، لا مجال فيها للتكلّف أو الإغلاق، وأن القارئ إنما ينجذب إلى ما يفهمه ويشعر به. ومن هنا جاء رأيه في الحياة أيضًا: أن الناس يحبون ما يفهمونه، وهي حكمة بسيطة في ظاهرها، عميقة في دلالتها، تعكس تجربة رجلٍ خبر الناس وعرف طبائعهم.

أصدر أسعد سعيد النائب عددًا من الكتب الأدبية التي تنوّعت بين الشعر والنثر، فكان من أبرزها كتاب «نكات كركوك» سنة 1975، الذي حمل روح المدينة وطرائفها، وكشف عن حسّه الساخر وقدرته على التقاط التفاصيل اليومية وتحويلها إلى مادةٍ ممتعة. كما أصدر ديواني «الأوراق» و«يد الزمان» سنة 1985، وفيهما تتجلّى تجربته الشعرية التي تمتاز بالبساطة والوضوح، مع مسحةٍ من التأمل في تقلبات الزمن وأحوال الإنسان.

ولم تقتصر كتاباته على ما نُشر في الكتب، بل بثّ عشرات القصائد في جريدة «كركوك»، فكان حضوره مستمرًا في الحياة الثقافية للمدينة، كما ترك عددًا من المخطوطات الجاهزة للطبع، مما يدل على غزارة إنتاجه واستمرارية عطائه. وقد ظلّ وفيًا لنهجه، لا يبدّله ولا يساوم عليه، مؤمنًا بأن الكلمة الصادقة، مهما بدت بسيطة، قادرة على أن تبقى.

وفي مسيرته الطويلة، جمع بين مهنة التعليم والأدب، فكان المعلّم الذي يزرع المعرفة، والشاعر الذي يروي الوجدان، في صورةٍ متكاملة تعكس إنسانًا عاش قريبًا من الناس، معبّرًا عنهم، ومنتميًا إليهم. لم يسعَ إلى الأضواء بقدر ما سعى إلى أن يكون صوته مفهومًا ومحبوبًا، فنجح في أن يترك أثرًا هادئًا لكنه عميق.

توفي أسعد سعيد النائب سنة 1992، بعد عمرٍ امتدّ أكثر من تسعين عامًا، كانت مليئة بالعطاء والبساطة والصدق، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا يعبّر عن مدرسةٍ خاصة ترى في الوضوح فضيلة، وفي القرب من الناس غاية. وهكذا بقي اسمه شاهدًا على أن الأدب، حين ينبع من القلب، يصل إلى القلوب دون عناء، وأن البساطة، إذا صدقت، قد تكون أبلغ من كل تعقيد.

قد يعجبك ايضا