سرحان محمد علي الكاكئي
بائعُ المظلاتِ الملونةفي مدينةٍ غارقةٍ تحتَ شتاءٍ سرمدي لا ينقطعُ مطره، كان متجرُ العم “عاصم” القديمُ هو البقعة الوحيدة التي تضجُّ بالألوان. لم تكن المظلاتُ المعلقة على جدرانه الخشبية مجرد نسيجٍ يحمي من الماء، بل كانت دروعاً تقي القلوب غوائل المشاعر التي تهبط مع الغيث.عرف أهلُ المدينة سرَّ المتجر؛ فالمظلة الزرقاء يقتنيها الحزانى لأنها تحيل قرع القطرات فوقها إلى ألحانٍ دافئة تلمُّ شتات الأرواح، بينما يتسابق الخائفون على المظلة الخضراء التي تبث في نفوسهم سكينة تماثل الطمأنينة بين أحضان الأمهات، في حين يلوذ العابرون المحبطون بتلك الصفراء الفاقعة، التي تعكس الضوء تحت الغمام فتبدو فوق رؤوسهم كشمسٍ صغيرة تعيد غرس الأمل في خطاويهم.في ليلة عاصفة تداخلت فيها ظلمة السماء بقسوة الريح، دفع الباب رجلٌ مبللٌ بالكامل، يرتجفُ هلعاً وتكاد ملامحه المنهكة تتلاشى تحت وطأة انكسارٍ عظيم. لم يتكلم، بل أشار بيده المرتعشة إلى الرفوف طالبًا أقوى مظلة تحميه مما يجد في صدره.التفت العم عاصم ليلبي رغبته، لكنه جمد في مكانه ذعراً؛ لقد كانت الرفوف خاوية تماماً، ونفدت كل الألوان ولم يتبقَّ في الزاوية المهملة سوى مظلة سوداء داكنة وعادية جداً. تملكه الحرج، لكنه مد يده بها إلى الغريب معتذراً بنظراته عن شح الألوان.قبض الرجل على مقبض المظلة السوداء وخرج بها إلى الشارع العاصف. تابعه عاصم من خلف الزجاج المضبب بقلق، وشاهد الغريب يفتح مظلته القاتمة وسط السيل الجارف. وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ لم تتلون المظلة، ولم تصدر لحناً، لكن المطر توقف عن الهطول في محيطها تماماً، وانقشعت الغيوم من فوق رأس الرجل وحده، لتشرق السماء بنجومها في مساحته الخاصة.ابتسم العم عاصم بوقار وهو يمسح زجاج واجهته، مدركاً أن بعض العابرين لا يحتاجون إلى ألوان مصطنعة ليتحملوا واقعهم، بل يحتاجون فقط إلى مساحة ساكنة خالية من الضجيج ليعيدوا اكتشاف القوة الكامنة في أعماقهم.