اعداد ـ التآخي
البرنامج الانتخابي والبرنامج الحكومي، هما من صلب الآليات الدستورية والسياسية لإدارة الدول، لا سيما في الأنظمة البرلمانية. وهناك فرق جوهري كبير بين البرنامجين من حيث الطبيعة، والهدف، والإلزام القانوني، والتوقيت.
البرنامج الانتخابي هو وثيقة سياسية، تسويقية، ورؤية عامة يطرحها الحزب أو التحالف السياسي قبل الانتخابات لخوض التنافس الانتخابي، ويتسم بالعمومية، ويحتوي على وعود وشعارات عريضة مثل، تحسين الاقتصاد، مكافحة الفساد، وتطوير التعليم، وهوأقرب لـ “إعلان نوايا” أو “قائمة أمنيات” لجذب عواطف وأصوات الناخبين، وهو يصاغ في داخل أروقة الحزب أو الائتلاف قبل عدة أشهر من موعد الانتخابات، بناء على دراسات الحزب لتوجهات الرأي العام واحتياجات الشارع، ويطلق رسميامع بدء الحملة الانتخابية أي قبل أسابيع أو أشهر قليلة من يوم الاقتراع، ويكون متاحاللجمهور ووسائل الإعلام كأداة للدعاية.
اما البرنامج الحكومي فهو خطة عمل رسمية، إجرائية، وتنفيذية تصاغ بعد الانتخابات، وتمثل سياسة الدولة الرسمية التي تلتزم بها الحكومة طوال مدة ولايتها، ويتسم بالواقعية والدقة والأرقام، ولا يحتوي على شعارات، بل على آليات تنفيذية، وجداول زمنية، ومصادر تمويل مربوطة بالموازنة العامة. في الأنظمة الائتلافية، يكون هذا البرنامج مزيجا توافقيا لبرامج الأحزاب المشكلة للحكومة بعد التنازل عن بعض الوعود الانتخابية غير الواقعية.
ويرسم البرنامج الحكومي بعد ظهور نتائج الانتخابات وفي أثناء جولات المفاوضات السياسية لتشكيل الحكومة. يقوم رئيس الوزراء المكلف بالتعاون مع لجان فنية واستشارية والشركاء السياسيين بتحويل الأفكار السياسية إلى خطط قطاعية قابلة للتطبيق، ويطلق رسميايوم جلسة التصويت على منح الثقة في البرلمان،اذ يلزم الدستور رئيس الوزراء المكلف بتقديم برنامجه الحكومي وكابينته الوزارية إلى مجلس النواب، ولا تباشر الحكومة مهامها إلا بعد مصادقة البرلمان على هذا البرنامج، ليصبح بعدها وثيقة قانونية تحاسب الحكومة بناءعليها.
البرنامج الانتخابي يستهدف الناخب المواطنلكسب صوته، اما البرنامج الحكومي فيستهدفالبرلمان والشعب ومؤسسات الدولة لنيل الثقة والرقابة، البرنامج الانتخابي هو وعود، شعارات، طموحات عريضة ورؤى عامة في حين ان البرنامج الحكومي أرقام، وجداول زمنية، ومشاريع محددة، وآليات تمويل؛ البرنامجالانتخابي هو التزام أخلاقي وسياسي غير ملزم قانونا اما البرنامج الحكومي فوثيقة رسمية ملزمة تخضع لرقابة البرلمان والقضاء الإداري،البرنامج الانتخابي يعبر عن أيديولوجية الحزب الواحد أو الائتلاف قبل التنافس، فيما البرنامج الحكومي منتج توافقي ناتج عن تسويات ومفاوضات الشركاء في الحكم.
في “الديمقراطيات التوافقية“، وإذا كان المسؤول الأول في السلطة التنفيذية الجديدة لم يكن لديه برنامج انتخابي، لأنه لم يشترك أصلا في الانتخابات، بل جاء نتيجة التوافقات السياسية بين الأحزاب ، فهل أن ذلك كاف لإدارة حكومة فاعلة وتنفيذ برنامج حكومي ناجح؟
من الناحية النظرية والإجرائية، نعم، هو كافلإطلاق حكومة، أما من الناحية العملية والواقعية، فإن نجاح هذه الحكومة وديمومتها يظلان محفوفين بمخاطر بنيوية هائلة. الرئيس التنفيذي في هذه الحالة، اي رئيس الوزراء المستقل أو التسووي يجد نفسه في معادلة معقدة تشمل نقاط قوة نوعية ونقاط ضعف قاتلة، وقد يفشل لأسباب عدة منها غياب “الظهر السياسي” والأغلبية البرلمانية الملتزمة، اذ ان الرئيس الذي لا يملك كتلة نيابية كبرى ينتمي إليها، يظل تحت رحمة الكتل التي صعدت به. البرنامج الحكومي في هذه الحالة لا يعبر عن رؤيته الخاصة، بل هو “أقصى قاسم مشترك”اتفقت عليه الأحزاب المتنافسة، وان أي محاولة من رئيس الحكومة للخروج عن الخطوط الحمرلهذه الأحزاب مثل مكافحة الفساد في مؤسسات تابعة لها، أو إعادة هيكلة الإدارة قد تؤدي إلى سحب الثقة منه فورا.
سبب الفشل الآخر هو معضلة “الوزير الولاء” مقابل “الوزير التكنوقراط“، فحتى لو صاغ رئيس الوزراء برنامجا حكوميا ممتازا بأرقام ومستهدفات واضحة، فإن أدوات التنفيذ، الوزراء والوكلاء والمدراء العامين غالبا ما يفرضون عليه عبر المحاصصة السياسية، هنا يصبح الوزير مسؤولا أمام حزبه الذي رشحه، وليس أمام رئيس الوزراء، مما يضعف التراتبية الإدارية ويفكك العمل الحكومي إلى “إقطاعيات حزبية“، كما ان عدم نزول المسؤول للانتخابات يحرمه من “الشرعية الشعبية المباشرة”، و في الأزمات الكبرى، لا يجد هذا المسؤول قاعدة جماهيرية تحميه أو تضغط على الكتل السياسية لصالحه، مما يجعله الحلقة الأضعف عند حدوث أي تصادم سياسي.
وبرغم هذه التحديات، هناك تجارب دولية ومحلية نجحت فيها حكومات التوافق أو “حكومات التكنوقراط المستقلة”، ولكن نجاحها مشروط بـعوامل رئيسة: الاستثمار في “هوامش المناورة”، اذ ينجح رئيس الوزراء إذا استغل رغبة الأحزاب في التهدئة السياسية، وتحرك في المساحات الخدمية والاقتصادية التي لا تمس النفوذ المباشر للأحزاب مثل البنى التحتية،وتعبيد الطرق، وتحسين الجباية الرقمية.ولتعويض غياب التفويض الانتخابي، يلجأ المسؤول الذكي إلى تحقيق نجاحات ملموسة وسريعة للشارع في الأشهر الأولى بخاصة تحسين ساعات تجهيز الطاقة، خفض أسعار سلع أساسية، تبسيط إجراءات حكومية. هذا الإنجاز يخلق له “شرعية إنجاز“ بديلة عن الشرعية الانتخابية.
وعلى الأحزاب المشكّلة للحكومة أن تدرك أن فشل هذا الرئيس “التسووي” يعني انهيار النظام السياسي بالكامل، وبالنتيجة تمنحه مكرهةمساحة من الحرية لإدارة الملفات التنفيذية لحماية مصالحها الجماعية.
استقلالية المسؤول التنفيذي الأول
قد يكون موقع الرئيس الجديد بمسافة واحدة من الجميع عاملا ايجابيا، غير أن القوى والأحزاب النافذة التي جاءت به إلى السلطة وتوافقت عليه قد تضغط لتحقيق مصالحها وسياساتها، وبالنتيجة يكون بمنزلة “مدير عام” محبط الإرادة. وبرغم انه في سياق النظم التعددية والمحاصصاتية، واختيار رئيس وزراء معروفبعدم انتمائه لحزب كبير يعد نقطة قوة تتيح له الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، فانه قد ينشأ وضع يسمى فيه “مدير عام محبط الإرادة”يلخص الفجوة الكبيرة بين “السلطة الاسمية” التي يمنحها الدستور لرئيس الوزراء، وبين “السلطة الفعلية” التي تحتكرها الأحزاب والكتل النافذة في النظم التوافقية.
وان تحول رئيس الوزراء إلى “مدير عام” محكوم بهذه القيود يمر عبر آليات واضحة، من ذلك آليات تحجيم الإرادة التنفيذية بسياسة “توزيع الغنائم” وتجريد القرار، و في هذا السيناريو، تنزع من رئيس الوزراء القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية مثل التعيينات في المناصب العليا، أو إبرام العقود الكبرى، أو رسم السياسة الخارجية، و تصبح كابينته الوزارية عبارة عن “جزر معزولة” تدار من مقار الأحزاب، ويتحول دور رئيس الوزراء إلى مجرد منسق إداري أو “ساعي بريد” بين هذه الجزر، يملك سلطة التوقيع لكنه لا يملك سلطة الاختيار.
ان الأحزاب المتنفذة اصلا في هذه الأنظمة تمارس لعبة مزدوجة، عند النجاح: ترجع المكتسبات مثل التعيينات، أو المشاريع الخدمية في مناطق نفوذها لنفسها ولوزرائها لكسب أصوات الناخبين، وعند الفشل، تلقي باللوم بالكامل على رئيس الوزراء “المستقل” وحكومته، وتظهره أمام الرأي العام بمظهر العاجز أو المحبط، مستغلة غياب قاعدة جماهيرية تدافع عنه. و حتى لو امتلك رئيس الوزراء إرادة الإصلاح، فإنه يصطدم بالدرجات الخاصة والوكلاء والمدراء العامين المتجذرين في مؤسسات الدولة منذ سنوات. هؤلاء يمثلون “الدولة العميقة” للأحزاب، وبإمكانهم تعطيل أي قرار حكومي لا يخدم مصالح كتلهم عبر البيروقراطية والروتين الممنهج.
الاستثناء الوحيد الذي يمنع رئيس الوزراء التوافقي من التحول إلى “مدير عام محبط” هو امتداد الخلافات بين الأحزاب النافذة نفسها، فعندما تتقاطع مصالح الكتل الكبرى وتدخل في حالة “كسر عظم” سياسي، تنشأ مساحة مناورة ذهبية لرئيس الوزراء. هنا، يستطيع استغلال هذا التوازن الهش والتناقضات بين شركاء الحكم ليفرض بعض قراراته، مستندا إلى أن أي طرف لن يجرؤ على إسقاطه خوفا من ذهاب المنصب للطرف المنافس الآخر.
ولكن قد تتواجد الأدوات الفنية أو الدستورية التي يمكن أن تمنح هذا “المدير العام” مخالب حقيقية لمواجهة ضغوط الأحزاب من دون أن يتسبب ذلك في انهيار التوافق السياسي الهش، والأمر يتعلق بالاتفاق مسبقا على اعطائه الصلاحيات الكاملة للإجراءات والقرارات التي يتطلبها منصبه، وعدم فرض الاملاءات، وان كانت لدى الأحزاب وجهة نظر في أمر ما فبإمكانها اللجوء إلى البرلمان لحل الإشكال.
ان تحويل الخلاف من ضغوط تُمارس في الغرف المغلقة إلى نقاش علني تحت قبة البرلمان يعيد للاستقرار السياسي هيبته. إذا اعترض حزب ما على تعيين أو قرار اقتصادي اتخذه رئيس الوزراء، فإن إجباره على الذهاب للبرلمان يعني امتثاله للأدوات الدستورية مثل: السؤال، والاستجواب، أو طلب مناقشة عامة.
والأحزاب غالبا ما تتجنب استجواب رئيس وزراء “توافقي” علنا في البرلمان لمجرد أنه لم يمرر لها صفقة أو تعيينا؛ لأن الاستجواب العلني يتطلب أدلة قانونية على الفشل أو الفساد أمام الرأي العام. بالتالي، فإن حصر الخلاف بالبرلمان يمنح رئيس الوزراء حصانة قوية ضد “الابتزاز السياسي” اليومي.
وبرغم رصانة هذا الحل، فإن تطبيقه في البيئات التوافقية يواجه عائقين بنيويين، هما طبيعة “الاتفاقات السياسية” أي الاتفاقات المسبقة التي تُصاغ عادة في “وثيقة الاتفاق السياسي” قبل تشكيل الحكومة هي اتفاقات “جنتلمان” أو التزامات أخلاقية وسياسية، وليست وثائق قانونية ملزمة للدستور. في اللحظة التي تتعارض فيها مصلحة حزب نافذ مع قرار لرئيس الوزراء، يسهل على هذا الحزب التحلل من الاتفاق تحت مبررات متعددة.
العائق الآخر هو اختلال ميزان القوى في داخل البرلمان، واللجوء إلى البرلمان لحل الإشكال يفترض أن البرلمان حكم محايد، لكن في الواقع، البرلمان هو نفسه ساحة نفوذ للأحزاب ذاتها التي تضغط على رئيس الوزراء. فإذا قررت الكتلة الأكبر التي صنعت رئيس الوزراء عرقلة خطوته، فبإمكانها استغلال أغلبيتها العددية في داخل البرلمان لتعطيل قوانينه أو حتى التهديد بإقالته، ونظريا قد يكون حل الاشكال يتعلق بالاتفاق مسبقا على اعطائه الصلاحيات الكاملة للإجراءات والقرارات التي يتطلبها منصبه، وعدم فرض الاملاءات، وان كانت لدى الأحزاب وجهة نظر في أمر ما فبإمكانها اللجوء إلى البرلمان لحل الإشكال، لكن نجاحه مشروط بوجود “ضامن” أو آلية تجعل ذلك الاتفاق المسبق متمتعا بقوة إلزامية تفوق رغبات الكتل السياسية عند أول منعطف خلاف داخلي.
وإذا كانت “وثائق الاتفاق السياسي” تفتقر عادةللغطاء القانوني الدستوري وتعتمد فقط على “التوافق الأخلاقي”، فيمكن إعطاء الصلاحيات الكاملة ومنع الإملاءات وتحويل ذلك إلى التزام حقيقي لا يمكن للأحزاب التراجع عنه عند أول تقاطع للمصالح، وذلك باللجوء إلى خيار القضاء والمحكمة العليا، فالقضاء في النظم الديمقراطية هو الحارس الطبيعي لسيادة القانون ومبدأ فصل السلطات.
لكن، من الناحية القانونية والدستورية الواقعية، هناك خيط رفيع بين دور المحكمة كـ “حَكَم عند النزاع” ودورها كـ “ضامن سياسي مسبق”. فالأصل في عمل المحاكم العليا كالمحكمة الاتحادية العليا أنها سلطة حيادية مفسِّرة وفصلية، أي أنها لا تملك مبادرة إصدار تعليمات أو قرارات استباقية لتقوية طرف ضد آخر، بل تنتظر أن يُرفع إليها “نزاع واقعي” أو “طلب تفسير” لتُدلي بدلوها. ومع ذلك، يمكن للمحكمة العليا أن تكون “المخالب القانونية” التي يحتاجها رئيس الوزراء، ولكن عبر مسارات محددة.
يمكن لرئيس الوزراء المكلف، أو أي جهة متضامنة معه، تقديم طلب استيضاح للمحكمة العليا لتفسير المواد الدستورية المتعلقة بصلاحياته مثل المادة التي تنص على أنه “المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة”. عندما تصدر المحكمة تفسيرا واسعا وحاسمايؤكد سلطته الحصرية في التعيينات، أو إقالة الوزراء، أو رسم السياسات من دون الحاجة لموافقة “المجالس السياسية للأحزاب”، يصبح هذا التفسير باتا وملزما لكافة السلطات.
وإذا حاولت الأحزاب النافذة عبر أغلبيتها فيالبرلمان تشريع قوانين أو تعديل أنظمة داخليّة تهدف إلى قضم صلاحيات رئيس الوزراء الإدارية كتقييد حقه في نقل المدراء العامين أو إعفاء الوكلاء، يمكن لرئيس الوزراء الطعن بهذه القوانين أمام المحكمة العليا بدعوى انتهاكها لمبدأ “فصل السلطات”، وهنا يلغي القضاء هذه القيود بحكم الدستور.
وبرغم قوة هذا الحل، إلا أن الارتكاز الكامل على القضاء في الصراعات السياسية اليومية يحمل مخاطرة بنيوية كبرى، منها ان كثرة لجوء رئيس الوزراء للقضاء لحسم خلافاته مع الأحزاب قد تؤدي إلى ما يعرف بـ “تسييس القضاء“، اذ يجر القضاء مجبرا إلى مستنقع التجاذبات السياسية اليومية. وفي بيئة سياسية منقسمة، إذا كثرت الأحكام القضائية لصالح رئيس الوزراء ضد الكتل النافذة، قد تبدأ تلك الكتل بهدم شرعية القضاء نفسه عبر وسائل إعلامها، واتهامه بالانحياز، مما يهدد آخر حصن للاستقرار في الدولة.
باختصار، القضاء يمكنه منح رئيس الوزراء “الدرع القانوني” الصامد، لكنه لا يستطيع منحه “السيولة السياسية” المطلوبة لإدارة حكومة يومية، فالقضاء يملك قوة “المنع والإبطال”، لكنه لا يملك قوة “التحريك والتنفيذ” التي تظل رهينة التوافقات والقدرة على القيادة.