تعاون إعلامي وفكري بين الصين والدول العربية لصياغة سردية جديدة لدول الجنوب

 

التأخي / حبيب السالم

تعهدت وسائل إعلام ومراكز فكر صينية وعربية بتعميق التعاون التكنولوجي ومكافحة ما وصفته بـ”التضليل الإعلامي الغربي”، مؤكدة على دور الابتكار الرقمي في صياغة سردية جديدة لدول الجنوب العالمي

جاء ذلك ضمن بيان مشترك صدر في ختام منتدى الجنوب العالمي لوسائل الإعلام ومراكز الفكر، حيث اتفق المشاركون على بناء شبكة تداول إخباري موحدة تعتمد على التقنيات الحديثة .

ويمثل مفهوم “صياغة سردية جديدة لدول الجنوب العالمي” إستراتيجيةجيوسياسية وإعلامية مشتركة تقودها الصين بالتعاون مع الدول النامية لإعادة صياغة تدفق المعلومات الدولي. وتستهدف هذه الرؤية بشكل مباشر إنهاء الاحتكار التاريخي لوكالات الأنباء والشبكات التلفزيونية الغربية التي يرى قادة الجنوب أنها تعتمد على تأطير سلبي مستمر لواقع الدول النامية، وحصر صورتها العالمية في أطر الحروب، والأزمات الاقتصادية، وقضايا الفساد، مما يضر بقدراتها الاستثمارية ومكانتها السياسية الدولية .

وتسعى السردية البديلة إلى تقديم خطاب إعلامي متوازن يركز على قصص النجاح التنموي، والمشاريع الاقتصادية الكبرى كمبادرة الحزام والطريق، واستعراض نماذج نقل التكنولوجيا الصينية إلى العواصم العربية والآسيوية والأفريقية دون قيود سياسية .

 

ويعتمد هذا التوجه على إبراز الحلول المحلية للأزمات وتجذر المفاهيم التنموية المستقلة، بدلاً من اتباع النماذج والقوالب الجاهزة التي تفرضها المؤسسات المالية والإعلامية الدولية التابعة للغرب .

كما تتجاوز هذه الصياغة الجديدة مجرد نشر الأخبار لتشمل تحقيق السيادة الفكرية والرقمية من خلال التعاون المكثف بين مراكز الفكر في دول الجنوب .

مفهوم “صياغة سردية جديدة لدول الجنوب العالمي” يمثل إستراتيجيةجيوسياسية وإعلامية مشتركة تقودها الصين بالتعاون مع الدول النامية لإعادة صياغة تدفق المعلومات الدولي .

ويهدف هذا الحراك البحثي إلى إنتاج معرفة إستراتيجية مستقلة تتحرر من التبعية للنظريات السياسية والاقتصادية الغربية، مع توظيف برمجيات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الاتصالات الحديثة في حماية الفضاء الرقمي لهذه الدول، وبناء منظومة إعلامية متعددة الأقطاب تعكس موازين القوى الجديدة في العالم .

وصرح فو هوا، رئيس وكالة أنباء “شينخوا” الصينية، بأن “دخول الشراكة الصينية – العربية العصر الرقمي يتطلب منا كسر القوالب النمطية؛ نهدف إلى تزويد غرف الأخبار العربية بأحدث أدوات الذكاء الاصطناعي الصينية لضمان نقل الحقائق التنموية بدقة ودون إملاءات خارجية .

 

من جانبه قال لياو ليتشاينغ، السفير الصيني في القاهرة، إن “بكين لا تقدم مجرد تكنولوجيا، بل تبني شراكة إستراتيجية مستدامة مع العالم العربي. إن نقل المعرفة الرقمية وبناء القدرات الإعلامية المشتركة يمثلان حجر الأساس لدعم الاستقرار الإقليمي والتنمية المستقلة ” . ويأتي هذا التحرك في وقت تشير فيه البيانات الصادرة عن “معهد شينخوا للفكر” إلى توسع نفوذ شبكات التبادل المعرفي الصينية لتشمل أكثر من 1000 مؤسسة إعلامية وبحثية في 95 دولة، وسط تزايد الاعتماد العربي على تكنولوجيا الاتصالات الصينية في بناء المدن الذكية والمجمعات الرقمية، مما يعكس تحول الصين من مجرد مزود للبنية التحتية والمعدات التقنية إلى لاعب رئيسي في صياغة الفكر والسياسات العامة في العالم العربي ودول الجنوب، حيث يندمج الشق التكنولوجي في الشق المعرفي والإعلامي ليشكلا معاً منظومة نفوذ متكاملة تُعرف بالقوة الناعمة والرقمية المشتركة .

ويشير الشق الأول المتعلق بـ”معهد شينخوا للفكر” وتوسيع شبكات التبادل إلى أن بكين لم تعد تكتفي بنقل الأخبار عبر وكالاتها الرسمية، بل أصبحت تؤسس لشبكة دولية ضخمة تجمع الصحفيين والباحثين والأكاديميين لتوجيه النقاشات الإستراتيجية، مما يسمح بخلق بيئة فكرية عالمية تتبنى الرؤية الصينية للقضايا الدولية والأنظمة السياسية والاقتصادية كبديل عن النظرية الغربية .

أما الشق الثاني الخاص بالاعتماد العربي على تكنولوجيا الاتصالات الصينية في بناء المدن الذكية والمجمعات الرقمية، فيعكس الثقة المتزايدة التي توليها الحكومات العربية لشركات التقنية الصينية العملاقة لإدارة قطاعاتها الحيوية، حيث تشمل هذه المشروعات شبكات الجيل الخامس وأنظمة المراقبة الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، التي باتت تشكل العصب الأساسي للمدن الحديثة في المنطقة .

ويرتبط هذان المساران ارتباطا وثيقا؛ فالهيمنة التقنية الصينية على البنية التحتية للاتصالات في الشرق الأوسط توفر البيئة الرقمية المثالية والمنصات التكنولوجية اللازمة لتمرير وضمان تدفق المحتوى الإعلامي والفكري الصيني، مما يساهم في تقليص الاعتماد على التكنولوجيا والمنصات الغربية، ويؤسس لنموذج جديد من السيادة الرقمية والفكرية المشتركة بين الصين والعالم العربي .

قد يعجبك ايضا