محمد علي محيي الدين
في كوردستان العراق، حيث تتعانق الجبال مع الحكايات القديمة، وتتشكل ذاكرة الناس من الصبر والمنفى والأغاني الحزينة، ولد فوزي عزيز ميرزا الأتروشي عام 1953 في ناحية أتروش بمحافظة دهوك، ليكبر وهو يحمل في داخله حساسية الشاعر وقلق الإنسان المشغول بوطنه وقضايا شعبه. ومنذ سنواته الأولى، بدا وكأنه ينتمي إلى ذلك النوع من الشخصيات التي لا تستطيع أن تعيش حياةً عادية؛ فالكلمة عنده كانت قدراً، والوطن جرحاً دائماً، والقصيدة نافذة يطل منها على العالم بكل ما فيه من حب وألم وتناقضات.
نشأ الأتروشي في بيئةٍ كردية مشبعة بروح الكفاح والانتماء، فكان طبيعياً أن تتداخل في شخصيته ملامح المثقف والسياسي والشاعر معاً. درس القانون في جامعة بغداد، وهناك انفتح على الحياة الثقافية والفكرية والسياسية في العاصمة، قبل أن يواصل دراسته العليا في بلغاريا ويحصل على شهادة الماجستير في القانون الدولي العام من جامعة صوفيا. وقد منحته دراسة القانون بعداً فكرياً عميقاً، جعله أكثر التصاقاً بأسئلة الحرية والعدالة وحقوق الشعوب، وهي القضايا التي ظلت حاضرة بقوة في كتاباته ومواقفه طوال حياته.

لم يكن فوزي الأتروشي مجرد شاعر يراقب الأحداث من بعيد، بل كان فاعلاً في قلب التحولات السياسية والثقافية التي عاشها العراق والمنطقة. ارتبط بالحزب الديمقراطي الكردستاني، وتولى مواقع قيادية وإعلامية مهمة، خاصة خلال سنوات المعارضة العراقية خارج البلاد. قاد الفرع الأوروبي للحزب لسنوات طويلة، وعمل مسؤولاً عن إعلام الخارج، فكان صوتاً سياسياً وثقافياً يعبر عن القضية الكردية والعراقية في المحافل الدولية. وقد شارك في مؤتمرات ولقاءات سياسية مهمة عقدت في عواصم عديدة مثل لندن وفيينا وبيروت ونيويورك وصلاح الدين، حاملاً معه رؤية تؤمن بالحوار والتعددية وحق الشعوب في الحياة الكريمة.
وفي المنفى، لم يفقد صلته بالعراق، بل ازداد تعلقه به. عمل في الصحافة العربية والكردية، وكتب في صحف ومجلات متعددة، كما أشرف على منابر إعلامية لعبت دوراً مؤثراً في تلك المرحلة المضطربة من تاريخ العراق. كان يؤمن أن الكلمة الحرة قادرة على مواجهة العتمة، وأن الثقافة ليست ترفاً بل ضرورة لحماية الإنسان من الخراب الداخلي. لذلك بدا حضوره الإعلامي امتداداً لصوته الشعري، فكلاهما كان يبحث عن الحقيقة والجمال وسط الضجيج.
لكن السياسة، على اتساع حضورها في حياته، لم تستطع أن تطغى على الشاعر الكامن فيه. فقد ظل الشعر بالنسبة إليه مساحةً شخصية وحميمة، يودع فيها أحلامه وخيباته وأسئلته الكبرى. كتب للحب كما كتب للوطن، وكانت المرأة في قصائده رمزاً يتجاوز معناها المباشر، لتصبح صورةً للأرض والحنين والحرية والنجاة. وفي دواوينه الشعرية تتجاور الرقة مع الحزن، والبوح العاطفي مع التأمل الإنساني، حتى تبدو قصيدته أقرب إلى سيرة روح تبحث عن الضوء في عالم مثقل بالخذلان.
في أعماله الشعرية، مثل “ظلال النرجس” و”شموع الحب” و”امرأة من رماد” و”بريد الفرح” و”لأنك الآن هنا”، تتجلى لغته الشفافة التي تميل إلى العذوبة دون أن تفقد عمقها، وإلى البساطة دون أن تتخلى عن بعدها الفني. كان شاعراً يكتب بإحساس عالٍ، بعيداً عن التعقيد المصطنع، لذلك وصلت قصائده إلى قلوب القراء بسهولة، لأنها خرجت من قلبٍ صادق عاش التجربة الإنسانية بكل تفاصيلها.
وقد حظيت تجربته الشعرية باهتمام نقدي وأكاديمي واضح، فكتبت عنها الدراسات والبحوث الجامعية، وتوقفت عند خصوصية عالمه الشعري الذي جمع بين الرومانسية والهم الوطني والبعد الإنساني. ورأى فيه النقاد صوتاً مختلفاً استطاع أن يخلق توازناً نادراً بين التزامه بقضايا شعبه واحتفاظه بجمالية الشعر وروحه.
امتلك الأتروشي شخصية ثقافية متعددة الأبعاد؛ فهو القانوني والسياسي والصحفي والشاعر في آن واحد. كما ساعده إتقانه لعدة لغات، منها الكردية والعربية والإنكليزية والألمانية والإسبانية والبلغارية، على توسيع آفاقه الفكرية والثقافية، وبناء علاقات واسعة مع الأوساط الثقافية والإعلامية داخل العراق وخارجه.
وخلال مسيرته الطويلة، نال العديد من الجوائز والأوسمة وشهادات التقدير التي كرّمت دوره الثقافي والإنساني، كما شغل منصب وكيل وزارة الثقافة العراقية، وظل قريباً من الوسط الأدبي والفني حتى سنواته الأخيرة، داعماً للمثقفين ومؤمناً بأن الثقافة هي الوجه الأكثر إشراقاً للأوطان.
وفي الرابع والعشرين من شباط عام 2019، رحل فوزي الأتروشي، لكن رحيله لم يكن غياباً كاملاً، فالشعراء الحقيقيون يتركون أصواتهم معلقة في ذاكرة الناس. بقيت قصائده شاهدة على رجلٍ أحب وطنه بصدق، وعاش منحازاً للإنسان والجمال، وظل حتى آخر أيامه مؤمناً بأن القصيدة تستطيع، ولو للحظة، أن تجعل هذا العالم أقل قسوة وأكثر إنسانية.