مجلس الاتحاد… الغائب الحاضر

صلاح بكر

رغم مرور عقدين من الزمن على اقرار الدستور العراقي الدائم 2005.والذي أرسى دعائم النظام الفدرالي لا يزال “مجلس الاتحاد” او المجلس الفدرالي غائباً عن المشهد السياسي والمؤسساتي في البلاد. هذا الغياب ليس مجرد فراغ تشريعي عابر، بل يمثل ثغرة دستورية عميقه تلقي بظلالها على بنية الدولة، وتثير تساؤلات جوهرية حول أسباب هذا التعطيل ودوافعه، وتداعياته على استقرار النظام الاتحادي في العراق.

ان الدستور العراقي، في المادة (65) منه، نص صراحة على انشاء مجلس تشريعي ثانٍ يُعرف بـ “مجلس الاتحاد” يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في اقليم. الهدف من هذا المجلس، وفقاً للفقه الدستوري، هو ضمان التوازن التشريعي وحماية مصالح الوحدات المكونة للاتحاد من هيمنة السلطة المركزية،وهو ما يمثل حجر الزاوية في أي نظام فدرالي رصين. ومع ذلك، أحال الدستور تنظيم تكوين المجلس، وشروط العضوية فيه، واختصاصاته إلى قانون يسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب. هذه الإحالة المفتوحة شكلت اولى العوائق القانونية، حيث تفتقر النصوص الدستورية الى الآليات الملزمة والإطار الزمني المحدد لتشكيله.

من الناحية السياسية تتداخل المبررات وتتشابك الدوافع وراء هذا التعطيل المستمر، فالقوى السياسية المهيمنه على مجلس النواب تنظر بتوجس إلى أي مؤسسة قد تقاسمها السلطة التشريعية أو تحد من نفوذها. إن تشكيل مجلس الاتحاد يعني بالضرورة خلق جهة رقابية تمتلك صلاحية نقض أو مراجعة القوانين، وهو ما يهدد التوافقات السياسية الهشة والمحاصصة التي بني عليها النظام السياسي العراقي. بالإضافة الى ذلك، فإن الخشية من تحول المجلس إلى منصة لتعزيز نفوذ الأقاليم والمحافظات على حساب المركز، يجعل من اقراره مغامرة غير محسوبة العواقب بالنسبة للكتل السياسية الكبيرة التي تفضل ابقاء القرار السيادي محصوراً في قبة البرلمان.

ان غياب مجلس الاتحاد يترك النظام الفدرالي العراقي في حالة من الاختلال الهيكلي، فبدون هذه المؤسسة، يفتقر النظام إلى الآلية الدستورية الكفيلة بحل النزاعات بين المركز والأقاليم،وضمان المشاركة العادلة في إدارة مؤسسات الدولة الاتحادية، هذا الفراغ يؤدي الى تآكل الثقة بين المكونات، ويزيد من احتمالية تمرير تشريعات تخدم مصالح فئوية أو حزبية ضيقة، كما شهدنا في تمرير قوانين جدلية بـ “السلة الواحدة” علاوة على ذلك، فإن غياب الرقابة المتبادلة بين غرفتي التشريع يُضعف من جودة القوانين ويجعلها عرضة للتسييس والطعون الدستورية المستمرة.

حيث نری إن استمرار تعطيل مجلس الاتحاد لا يعكس فقط أزمة في الإرادة السياسية، بل يمثل تقويضاً متعمدا للأسس التي اقام عليها النظام الفدرالي العراقي. ان بناء دولة المؤسسات يتطلب تجاوز المصالح الضيقة والالتزام بروح الدستور، وتفعيل كافة آلياته، لضمان استقرار النظام السياسي وتحقيق التوازن العادل بين المركز والأطراف. بدون ذلك، سيبقى النظام الفدرالي العراقي عُرضة للاهتزازات، وستبقى القوانين أسيرة التوافقات السياسية التي لا تخدم مصلحة الوطن والمواطن.

قد يعجبك ايضا