احمد زبير باني
من السهل جداً اختزال المشهد السياسي في صراعات تقنية حول “الموازنة” و”الرواتب” و”عدد الكراسي” في البرلمان، فهذا هو السطح الذي تطفو عليه الأخبار اليومية. لكن، من يقرأ تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعينٍ فاحصة، يدرك أن المعركة التي يخوضها هذا الحزب ليست معركة “امتيازات”، بل هي معركة “كيان”؛ إنها الصراع الأزلي بين إرادة التذويب ومبدأ البقاء النبيل.
أولاً: الحزب كضرورة تاريخية، لا كخيار سياسي
لم يتأسس الحزب الديمقراطي الكوردستاني في ترف ديمقراطي أو صالونات سياسية هادئة، بل وُلد من رحم الجبال والوجع القومي. لذلك، فإن ارتباطه بالقضية الكوردية ليس ارتباطاً وظيفياً (أي من أجل السلطة)، بل هو ارتباط عضوي وجودي.
إن “البارتي” هو التجسيد السياسي لروح المقاومة التي ترفض أن يتحول الإنسان الكوردي إلى “رقم” في معادلة الآخرين، أو مجرد “أقلية” تبحث عن فتات الخبز. إنه الحزب الذي نقل القضية من “تمرد محلي” إلى “استحقاق دولي”، وجعل من اسم كوردستان رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
ثانياً: فخ الاختزال.. لماذا يركزون على الرواتب؟
هناك محاولات مستمرة لتقزيم نضال البارتي وحصره في زاوية “المستحقات المالية”. والحقيقة أن الراتب والموازنة هما حق قانوني لشعب كوردستان، لكنهما بالنسبة للحزب يمثلان “السيادة الاقتصادية”.
إن الخصوم يدركون أن تجريد الإقليم من قوته المالية هو الخطوة الأولى لتجريده من قراره السياسي، ومن ثم إلغاء خصوصيته القومية. لذا، حين يقاتل البارتي في بغداد أو أربيل، هو لا يقاتل من أجل أرقام في البنك، بل يقاتل لكي لا تظل “لقمة عيش الكوردي” وسيلة لابتزازه في “كرامته الوطنية”. المعركة هي معركة إرادة: هل نكون إقليماً دستورياً قوياً، أم مجرد محافظات تابعة تنتظر الصدقة؟
ثالثاً: نهج البارزاني.. البوصلة التي لا تخطئ
القوة الحقيقية لهذا الحزب تكمن في “النهج”. نهج البارزاني الخالد ليس مجرد إرث عائلي أو حزبي، بل هو عقيدة سياسية تؤمن بأن “الحق لا يُستجدى، بل يُؤخذ”. هذا النهج هو الذي جعل من البارتي “بيضة القبان” في المنطقة.
بينما تنشغل قوى أخرى بالتحالفات التكتيكية الصغيرة من أجل مكاسب آنية، يظل البارتي ينظر إلى الأفق البعيد: كيف نحافظ على كيان إقليم كوردستان كقلعة أخيرة للهوية؟ وكيف نصون ثوابت أمة رفضت الانكسار عبر العقود؟
رابعاً: الكرسي كوسيلة.. والوطن كغاية
في أدبيات الحزب الديمقراطي الكوردستاني، “الكرسي” ليس هدفاً بحد ذاته. التاريخ يشهد أن الحزب ضحى بالمناصب، وبالأمان، وبالاستقرار الحزبي في سبيل مبادئ كبرى؛ كما حدث في ملاحم پردێ وسحيلا، وفي قرار الاستفتاء التاريخي.
الكرسي بالنسبة للبارتي هو “خندق” للدفاع عن الدستور، وعن الفيدرالية، وعن حق تقرير المصير. بدون قوة سياسية صلبة وتمثيل حقيقي، تصبح الأحلام القومية الكوردية مجرد قصائد شعرية لا تحمي طفلاً ولا تبني مستقبلاً. القوة السياسية هي الدرع الذي يحمي الحقوق.
خاتمة: ما وراء الغبار
مهما علا غبار السجالات السياسية، يبقى الحزب الديمقراطي الكوردستاني هو “العمود الفقري” للمشروع القومي الكوردي. الهجمات الإعلامية والسياسية التي تستهدفه اليوم هي اعتراف ضمني بأنه الصخرة التي تتحطم عليها مشاريع “الاحتواء” و”الإضعاف”.
إن معركة البارتي كانت وستبقى: أن يكون الكوردي سيداً في أرضه، لا ضيفاً في وطنه. ومن يظن أن القصة هي قصة “رواتب” أو “مناصب”، فقد أخطأ قراءة التاريخ، ولم يفهم بعد سر الخلود في هذا النهج الذي جعل من كوردستان حقيقة جغرافية وسياسية لا تقبل المحو.