ماذا في جعبة الزيدي؟

رمزي ميركاني

كحال معظم رؤساء وزراء العراق السابقين في مرحلة ما بعد عام 2003وسقوط نظام البعث، لم يكن ترشيح “علي الزيدي” -الرجل غير المعروف سياسياً- أمراً مستغرباً في بلدٍ تتقاذفه التجاذبات والمناوشات حول المناصب السيادية. فلم تكن عملية اختيار رئيس الوزراء في العراق يوماً بالأمر الهين؛ فترشيحات حيدر العبادي، عادل عبد المهدي، مصطفى الكاظمي، ومحمد شياع السوداني، لم تحظَ بإجماع مطلق من الكتل الشيعية (الإطار التنسيقي)، بل كانت تتم دائماً وفق مبدأ “أضعف الإيمان” واختيار “رجل المرحلة” بدلاً من المرشح الأبرز. ولم يكن اختيار الزيدي استثناءً، إذ لم يأتِ كخيارٍ طوعي بقدر ما كان خياراً اضطرارياً.

أثار تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة تساؤلات أكثر من الإجابات، سواء في الشارع العراقي أو بين النخبة السياسية؛ فبينما كانت الأنظار تتجه نحو المالكي أو السوداني، لم يكن اسم الزيدي مطروحاً، نظراً لافتقاره للخلفية السياسية أو الحزبية المعروفة، وبروزه كرجل مال وأعمال فقط. لذا، جاء ترشيحه كـ”خيار ضرورة” ومفاجأة للجميع، بما في ذلك بعض الأطراف داخل الإطار التنسيقي نفسه.

إن كون الزيدي شخصية شبابية تمتلك خلفية اقتصادية قد يجعله “رجل المرحلة” القادر على انتشال العراق من أزماته المالية، لكن الإشكالية تكمن في افتقاره لحزب سياسي أو كتلة برلمانية تدعمه، مما يجعله عرضة للحصار من الكتل التي رشحته، ومقيداً في قراراته. ويظهر هذا التحدي جلياً في مدى قدرته على اختيار أعضاء كابينته الوزارية بحرية؛ فهل سيمنحه الإطار التنسيقي هذه الصلاحية، أم سيظل رهينةً لنظام “المحاصصة” وتوزيع الحقائب الوزارية كغنائم انتخابية؟

تواجه الزيدي ثلاث عقبات رئيسة: الأولى هي ضيق المهلة الدستورية (30 يوماً) لتشكيل الحكومة، وهي مدة غير كافية لإنجاز تفاهمات معقدة في بلد مثل العراق. الثانية هي طبيعة المنظومة السياسية المتجذرة، والفساد الإداري، والسلاح المنفلت الذي يثير قلق المجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة. أما الثالثة، فهي افتقاره للخبرة المهنية داخل مؤسسات الدولة، مما يجعله محاصراً بضغوط الكتل الكبيرة.
وفيما يتعلق بالكورد، هل يستطيع الزيدي حل المشكلات القائمة مع إقليم كوردستان وإنهاء ملف القضايا العالقة بين الحكومتين، المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمان، والتي عجز رؤساء الوزراء السابقون عن حلها أو لم تكن لديهم الإرادة الكافية لذلك؟ خاصة وأن القيادات الكوردية رحبت بترشيحه وأن الكورد طرف أساسي في العراق، ولا يمكن تحقيق الاستقرار في البلاد دونهم.
إن نجاح الزيدي ليس رهناً بالتوافقات الداخلية فحسب، بل بموقف “الفيتو” الأميركي. فبينما كان موقف دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا إيجابياً، موقف واشنطن حتى الآن ضبابي، صحيح الرئيس ترامب رحب بترشيحه ودعاه الى زيارة واشنطن، لكنه هذا ليس كل شيءِ. سيعتمد القبول الأميركي على ملفات معقدة مثل: مكافحة تهريب الدولار، السيطرة على سلاح الفصائل، وتوازن العلاقة بين طهران وواشنطن. ورغم أن الإطار التنسيقي يسوق للزيدي كمنقذ اقتصادي بفضل خلفيته
الأكاديمية والقانونية، إلا أن المعضلة في العراق تكمن في “المنظومة” لا في “الأشخاص”.

ختاماً، يكشف اختيار الزيدي عن عمق الخلافات داخل الإطار التنسيقي، حيث فُضِّل كوجه جديد لتجنب صدام داخلي. ويبقى السؤال القائم: هل سيستطيع الزيدي الصمود لولاية كاملة، أم أنه مجرد “مُسكّن” لتهدئة العاصفة وعبور مرحلة حرجة؟

قد يعجبك ايضا